مجتمع

لا هجرة ولا انجاب.. 79 بلدية سويدية أعلنت أنها قد تضطر لإغلاق مدارس خلال السنوات القادمة.. لاطلاب لديها

مشكلة جديدة بدأت تظهر بوضوح داخل عدد كبير من البلديات السويدية: هناك مدارس وفصول ومعلمون ومبانٍ كاملة، ولكن الأطفال الذين يفترض أن يملؤوا هذه المدارس أصبحوا أقل عامًا بعد عام. وفي بعض المناطق، خصوصًا البلدات الصغيرة والأرياف، وصل الوضع إلى مرحلة أصبح معها استمرار المدرسة نفسها موضع تساؤل.

استطلاع جديد أجرته إذاعة إيكوت Ekot التابعة للإذاعة السويدية أظهر أن 79 بلدية من أصل 237 بلدية شاركت في الاستطلاع ترى أن إغلاق المدارس قد يصبح ضروريًا خلال السنوات الخمس المقبلة 2027 -2032. والسبب المباشر الذي تذكره البلديات بسيط: أعداد الأطفال تتراجع، وبالتالي أصبحت بعض المدارس أكبر من حاجتها الفعلية.  لكن ما يحدث حاليًا ليس مشكلة مدارس وإنما نتيجة لتحول ديموغرافي أوسع تشهده السويد… فالسويد تتجه لانخفاض سكاني غير معهود!



أطفال أقل يولدون في السويد

أحد أهم أسباب الأزمة هو الانخفاض المستمر في عدد المواليد. وليس الحديث هنا عن تراجع حدث خلال عام أو عامين فقط.

بيانات هيئة الإحصاء السويدية SCB تظهر أن الاتجاه نحو انخفاض الخصوبة مستمر منذ عام 2010 تقريبًا. ففي ذلك العام كان معدل الخصوبة قريبًا من طفلين لكل امرأة، بينما انخفض في 2024 إلى 1.43 طفل لكل امرأة، ثم إلى 1.42 خلال 2025.

وفي عام 2025 لم يولد في السويد سوى نحو 97,500 طفل، وهو أقل عدد من المواليد منذ 23 عامًا. وللمقارنة، خلال أجزاء كبيرة من العقد الأول من الألفية كان عدد المواليد يتجاوز 110 آلاف طفل سنويًا.

وهؤلاء الأطفال هم تلاميذ المدارس بعد سنوات قليلة. لذلك فإن انخفاض المواليد الذي بدأ منذ سنوات أصبح ينتقل الآن تدريجيًا من الحضانات إلى المدارس.

وتتوقع Skolverket أن يستمر هذا الاتجاه فترة طويلة؛ فقد بدأ عدد الأطفال في سن المدرسة الابتدائية والأساسية بالانخفاض منذ 2023، وتتوقع الهيئة استمرار التراجع حتى أواخر ثلاثينيات هذا القرن. أما أطفال سن الحضانة، فتشير التقديرات إلى أن عددهم في نهاية عشرينيات القرن الحالي قد يكون أقل بنحو 85 ألف طفل مقارنة بعام 2023.



والهجرة لم تعد تعوّض النقص كما كانت تفعل سابقًا

هناك عامل آخر دخل على الخط خلال السنوات الأخيرة، وهو الانخفاض الكبير في تدفق طالبي اللجوء والمهاجرين الجدد إلى السويد.

خلال سنوات الهجرة المرتفعة، كانت بعض البلديات تحصل على أطفال وطلاب جدد من العائلات الوافدة، وهو ما ساهم في زيادة أو الحفاظ على أعداد الطلاب في مدارس معينة. ولذلك فإن انخفاض الهجرة يعني أن هذا المصدر من النمو أصبح أضعف من السابق.

الأرقام الحالية تظهر حجم التحول. خلال النصف الأول من 2025 تقدم نحو 3,750 شخصًا فقط بطلبات لجوء في السويد، بانخفاض يقارب 30% عن الفترة نفسها من العام السابق. وقدّرت مصلحة الهجرة لاحقًا عدد طالبي اللجوء بنحو 6,500 خلال 2025 ونحو 5,500 خلال 2026.

كما انخفض إجمالي تصاريح الإقامة الأولى بمختلف أنواعها من نحو 94 ألفًا في 2024 إلى نحو 89 ألفًا في 2025.

وهنا يجب التفريق: ليس صحيحًا أن انخفاض الهجرة وحده هو الذي أفرغ المدارس السويدية. العامل الأساسي طويل الأجل هو انخفاض المواليد، لكن تراجع الهجرة يعني أن عددًا من البلديات لم يعد يحصل على التدفق نفسه من الأسر والأطفال الجدد الذي كان يساعد سابقًا على تعويض جزء من الانخفاض السكاني.

والنتيجة أن عاملين أصبحا يتحركان في الاتجاه نفسه: مواليد أقل داخل السويد، وهجرة جديدة أقل من مستويات السنوات السابقة.



عندما يصبح نصف الفصل تقريبًا فارغًا

المشكلة بالنسبة للبلدية ليست فقط منظر مقاعد فارغة داخل الفصل. المدرسة لها تكاليف ثابتة سواء حضر 300 طالب أو أصبح عددهم 200: المبنى يحتاج إلى إيجار وتدفئة وكهرباء وصيانة، كما تحتاج المدرسة إلى معلمين وإدارة ومرافق مختلفة.

لكن عندما ينخفض عدد الطلاب، تنخفض الموارد المرتبطة بهم، بينما لا تختفي تكلفة المبنى بالسرعة نفسها.

هذا تحديدًا ما تواجهه Kristinehamn في محافظة Värmland. مدير التعليم في البلدية، يوناس بيرغمان فالين، يقول إن انخفاض الطلاب قد يؤدي بعد عدة سنوات إلى وجود نحو 35% طاقة استيعابية زائدة في المباني المدرسية. وفي الوقت نفسه يجب دفع إيجارات تلك المساحات من ميزانية مدرسية تتقلص بسبب وجود أطفال أقل.
وهنا تبدأ المعادلة الصعبة: هل تستمر البلدية في دفع أموال لمبانٍ لم تعد ممتلئة، أم تغلق بعض المدارس وتنقل الأطفال إلى مدارس أخرى؟



مدرسة في Nybro قد تكون واحدة من الضحايا

في بلدية Nybro في Småland أصبحت مدرسة Alsterbroskolan جزءًا من هذا النقاش. ومن بين الخيارات المطروحة إغلاق المرحلة العليا من المدرسة.

بالنسبة للبلدية قد يكون الأمر متعلقًا بالأرقام والميزانية، لكن بالنسبة للعائلات التي تعيش هناك المسألة مختلفة تمامًا.

أوسا فالستروم، وهي من سكان المنطقة ولديها أطفال في المدرسة، تخشى أن يؤدي إغلاق المدارس إلى دفع مزيد من الأسر نحو المدن الأكبر. ومخاوفها تتجاوز المدرسة نفسها: إذا رحلت العائلات التي لديها أطفال، يقل السكان، وتضعف الخدمات، وتصبح المنطقة أقل جاذبية لعائلات جديدة، وقد تدخل البلدة في دائرة من التراجع يصعب كسرها

وهذه تحديدًا واحدة من أكبر المعضلات أمام البلديات الريفية: إغلاق المدرسة يوفر المال على المدى القصير، لكنه قد يجعل المنطقة أقل قدرة على جذب الأسر على المدى الطويل.

المشكلة قد تكون في بدايتها فقط

الأرقام المستقبلية تجعل المسألة أكبر من إغلاق مدرسة هنا أو دمج فصل هناك.

Skolverket تقول إن انخفاض أعداد الأطفال سيؤثر على النظام التعليمي السويدي لفترة طويلة قادمة، وإن معظم البلديات ستشهد انخفاضًا في أعداد الأطفال، وإن التحدي سيكون أشد بالنسبة للبلديات الصغيرة، خصوصًا التي يقل عدد سكانها عن 10 آلاف نسمة.




وهذا يعني أن خريطة المدارس في السويد نفسها قد تبدأ بالتغير. المدارس الصغيرة في القرى والمناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة ستكون الأكثر حساسية، بينما قد تضطر بلديات أخرى إلى دمج المدارس أو إعادة توزيع الطلاب والمعلمين.

واللافت أن الأزمة لن تصل إلى جميع المراحل التعليمية في اللحظة نفسها. المدارس الثانوية gymnasieskolor لا تزال تستقبل أجيالًا وُلدت عندما كان عدد المواليد أعلى؛ لذلك توقعت Skolverket سابقًا ارتفاع أعداد طلاب الثانوية حتى العام الدراسي 2026/2027 تقريبًا قبل أن يتغير الاتجاه لاحقًا.

بمعنى آخر، المدارس السويدية بدأت الآن تشعر بنتائج تحول سكاني بدأ قبل سنوات طويلة: السويديون ينجبون أطفالًا أقل، متوسط عمر تكوين الأسرة ارتفع، والهجرة التي ساهمت سابقًا في زيادة السكان أصبحت أقل، وفي عدد من البلديات يتراجع السكان أصلًا.

والسؤال الذي سيواجه البلديات خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط: كم مدرسة نحتاج؟ بل أيضًا: ماذا يحدث للقرية أو البلدة الصغيرة عندما تغلق مدرستها الوحيدة؟



المصادر

Sveriges Radio – استطلاع إغلاق المدارس في 79 بلدية
SCB – أحدث أرقام المواليد والخصوبة في السويد
Skolverket – تقييم وضع المدارس السويدية 2026
Migrationsverket – انخفاض أعداد طالبي اللجوء
Migrationsverket – انخفاض تصاريح الإقامة خلال 2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى