
محمد “الطفل” الذي تركه والده أمام «الهجرة السويدية» وقال له: «اطلب اللجوء وقل إنك عراقي»
كان في الثالثة عشرة من عمره عندما انتقل فجأة من حياة عرفها لسنوات في الدنمارك إلى الوقوف أمام مصلحة الهجرة السويدية Migrationsverket في منطقة Märsta شمال ستوكهولم. هناك كان عليه أن يقدم نفسه للسلطات باعتباره طفلًا عراقيًا وصل إلى السويد دون أسرته، رغم أنه كان قد نشأ ودرس في الدنمارك.
الفتى هو أحد أبناء قيس وسلوى، ضمن أسرة عراقية مكونة من ستة أطفال استقرت في الدنمارك منذ نهاية التسعينيات. وحفاظًا على خصوصية الابن وعدم الكشف عن هويته، سنشير إليه في هذا المقال باسم مستعار هو «محمد».
وتكشف قصته، التي أعاد تحقيق مشترك لـ Sydsvenskan السويدية وTV 2 Dokumentar الدنماركية تتبع تفاصيلها، كيف أصبح محمد وهو طفل جزءًا من خطة قادته من الدنمارك إلى نظام اللجوء السويدي.
قيس يأخذ محمد إلى السويد
وصل محمد إلى الدنمارك وهو في نحو السادسة من عمره، وعاش هناك لسنوات والتحق بالمدارس الدنماركية. وعندما بلغ الثالثة عشرة، اصطحبه والده قيس إلى السويد ووصل معه إلى مصلحة الهجرة في Märsta.
وبحسب شهادة الابن التي يعرضها التحقيق، أخبره والده أمام مبنى مصلحة الهجرة السويدية بإنه سوف يدخل بمفرده ويطلب اللجوء بمفدره ويقول أنه عراقي قادم من العراق ، وأخبره مسبقًا بما ينبغي عليه قوله للسلطات. وكان عليه ألا يقدم نفسه كطفل جاء من الدنمارك، وإنما كقاصر عراقي وصل حديثًا إلى السويد بمفرده. ويقول محمد إن قيس تركه بعد ذلك أمام مصلحة الهجرة وغادر، ليبدأ الطفل إجراءات اللجوء Asyl وحده.
اسم مختلف ورواية عن الوصول من العراق
في ديسمبر/كانون الأول 2009، تعاملت مصلحة الهجرة مع محمد باعتباره قاصرًا غير مصحوب بذويه – ensamkommande barn.
واستُخدم في ملفه اسم عائلة يختلف عن الاسم المسجل له في الدنمارك. كما قال للسلطات إنه لا يتحدث إلا العربية وإن رحلته بدأت من العراق وانتهت في السويد بعد نحو سبعة أيام بمساعدة شخص أوصله إلى البلاد.
لكن التحقيق الصحفي توصل لاحقًا إلى أن محمد كان قد أمضى سنوات من حياته في الدنمارك، حيث كانت الأسرة تقيم بالفعل.

ماذا أخبر محمد السلطات؟
ضمن دراسة طلب الإقامة Uppehållstillstånd، تحدث محمد عن ظروف أسرية صعبة. وقال إنه تعرض لمعاملة سيئة، وإنه أُجبر على خدمة زوجة والده وحُرم من المدرسة واللعب، كما تحدث عن تعرضه وشقيقه الأكبر لإيذاء خلال طفولته.
وبحسب الرواية التي كانت أمام السلطات، فإن عودته إلى العراق كانت ستعيده إلى الظروف التي قال إنه يخشاها.
وحصل محمد على مساعدة قانونية، ورأى محاميه آنذاك أن إعادته قد تؤثر سلبًا في نموه وحالته النفسية والاجتماعية.
محمد يبدأ حياة مختلفة في Rimbo
خلال انتظار قرار مصلحة الهجرة، نُقل محمد إلى مركز استقبال في Rimbo خارج Norrtälje، كان مخصصًا لفتيان تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا.
وتتذكر مديرة المركز آنذاك، إيفا تورغيرستاد، الطفل الذي وصل إليهم جيدًا. فقد كان نشيطًا ومرحًا، وأحب كرة القدم والأفلام والموسيقى، كما يتذكر كعك القرفة الذي كانت تعده إيفا.
لكنها لم تكن تعرف أنه نشأ في الدنمارك.
أمام العاملين كان محمد طفلًا عراقيًا يتحدث العربية. ومع مرور الوقت، لفت انتباه إيفا أنه بدأ يفهم السويدية بسرعة كبيرة، بل كان يضحك أحيانًا أثناء أحاديث العاملين، ما جعلها تتساءل عن مقدار ما يستطيع فهمه.
قيس يعود للظهور في حياة ابنه
خلال إقامة محمد في السويد، حضر والده قيس مرة أخرى واصطحبه إلى شقة أحد معارفه. ويقول محمد إنه تعرض خلال اللقاء لمعاملة قاسية قبل أن يعيده والده إلى مركز الاستقبال. ويربط الابن هذه الواقعة بما وصفه بأنه تاريخ سابق من المعاملة السيئة داخل الأسرة.

بعد ذلك طلب محمد الانتقال إلى مكان آخر، فنُقل إلى Filipstad، حيث حاول تقليل اتصالاته مع حياته السابقة، حتى إنه أخرج شريحة الاتصال من هاتفه.
وثيقة الهوية تثير شكوك مصلحة الهجرة
بالتزامن مع ذلك، بدأت السلطات تدقق في الوثائق الموجودة في ملف محمد. ومن بين ما خضع للفحص بطاقة هوية قال محمد إنه حصل عليها من والده. ووفق التحقيق، تبين أنها أُنتجت بواسطة طابعة نافثة للحبر، كما ظهر خطأ في رسم شعار المدينة عليها.
وفي يوليو/تموز 2010، وبعد نحو سبعة أشهر في السويد، صدر قرار يقضي بمغادرة محمد البلاد. لكن السلطات واجهت مشكلة عند متابعة القرار: الطفل اختفى.

اختفاء محمد من Filipstad
بحسب شهادة أحد أصدقائه، كان محمد معه في وسط Filipstad عندما ظهر رجل ونادى عليه. ويصف الصديق لحظات مؤثرة سبقت مغادرة محمد المكان مع الرجل. وبعد ذلك لم تعد السلطات تعرف مكانه، وسجلت مصلحة الهجرة أنه لم يعد موجودًا في العنوان المعروف لديها. وهكذا انتهى طلبه دون حصوله على تصريح إقامة سويدي.
بعد 15 عامًا.. محمد يتحدث مع شقيقته
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، التقى محمد، الذي أصبح رجلًا بالغًا، بشقيقته ألفيرا Alvira في كوبنهاغن.
وخلال حديثهما عادا إلى أحداث الطفولة وإلى السؤال الأهم: لماذا أرسل قيس ابنه إلى السويد؟
يتذكر محمد أن إقامته في السويد حملت أيضًا جانبًا إيجابيًا بالنسبة إليه؛ فقد وجد الطعام والرعاية وشعر بالابتعاد عن الظروف التي كان يعاني منها.
وفي المقابل، يتذكر اتصالات والده المتكررة. ويقول إن قيس كان يريد معرفة ما إذا حصل ابنه على تصريح الإقامة Uppehållstillstånd، وعندما كانت الإجابة بالنفي كان الاتصال ينتهي.
لماذا أُرسل محمد إلى السويد؟
عندما ناقشت ألفيرا الأمر مع شقيقها بعد سنوات، قال محمد إن الغاية، وفق ما فهمه، كانت أن يحصل أولًا على اللجوء والإقامة في السويد.
وكان نجاح الطلب سيتيح لاحقًا محاولة استخدام وجود الابن ووضع إقامته في إجراءات انتقال الأب إلى السويد عبر المسار العائلي ولمّ الشمل Familjeåterförening.
وبذلك، وفق رواية محمد، لم يكن الطفل صاحب فكرة الذهاب إلى السويد أو تقديم المعلومات المختلفة للسلطات؛ بل يقول إن والده اصطحبه إلى البلاد ولقنه ما يقوله قبل أن يتركه أمام مصلحة الهجرة.
عودة محمد إلى الدنمارك
يروي محمد كذلك لقاءً آخر مع والده أثناء عودته من عمل في غسل الصحون. ويقول إن مواجهة حدثت بينهما، ثم اعتذر الأب لاحقًا ووعده بتغيير طريقة معاملته. وفي النهاية اقتنع محمد بالعودة معه إلى الدنمارك، لتنتهي بذلك الفترة التي قضاها في السويد. لكنها لم تكن نهاية قصة الأسرة.

قيس وسلوى والقصة الأكبر
ما حدث لمحمد يمثل جزءًا من تحقيق أوسع تناول حياة قيس وسلوى وأطفالهما الستة وتنقلات الأسرة بين الدنمارك والسويد والعراق. فالأسرة كانت موجودة في الدنمارك منذ نهاية التسعينيات، بينما تتبع التحقيق لاحقًا روايات ووثائق ومعلومات أخرى ظهرت في تعاملات مرتبطة بالسلطات السويدية.
وبحسب التحقيق، استمرت بعد تجربة محمد محاولات أخرى استخدمت فيها معلومات ووثائق مختلفة، ومن بينها مستند منسوب إلى شيخ في العراق.

كما ظهرت روابط بمدينة Malmö، وأصبح مصير إحدى شقيقات محمد جزءًا أساسيًا من التحقيق، حيث تتبع الصحفيون قصتها وصولًا إلى العراق وسط معلومات عن ضغوط أسرية وقيود مرتبطة بما يسمى في السويد hedersrelaterat förtryck.
ماذا حدث لقيس وسلوى؟
بحسب التحقيق، سبق أن صدرت في الدنمارك إدانة بحق قيس مرتبطة بمعاملته لابنته المفقودة أثناء طفولتها. في المقابل، ينفي قيس روايات الإساءة، ولم يجب عن عدد من أسئلة الصحفيين المتعلقة بسبب إرسال ابنه إلى السويد. أما سلوى، فقد واجهت اتهامات مرتبطة بوقائع قديمة داخل الأسرة، لكنها بُرئت بسبب الوضع القانوني المرتبط بقدم تلك الوقائع.
وهنا يجب التفريق بين ما ثبت في إجراءات قضائية وبين شهادات الأبناء التي يعرضها التحقيق، مع الإشارة إلى موقف الأب المنكر لهذه الروايات.
شقيقتان.. إحداهما تبحث والأخرى اختفت
حيث لم تتوقف قصة أبناء قيس وسلوى عند محمد وما حدث معه في السويد. فهناك مسار آخر في التحقيق يتعلق بشقيقتيه، وهو الذي ساهم في إعادة فتح تاريخ الأسرة والبحث فيما حدث لأبنائها عبر السنوات.

إحدى الشقيقتين، ألفيرا Alvira، بدأت تتحدث مع الصحفيين عن تاريخ الأسرة وما عاشه الأبناء، بينما كان هناك سؤال أكثر إلحاحًا يتعلق بمصير شقيقة أخرى مفقودة لم تعد الأسرة تعرف بصورة واضحة ماذا حدث لها… كل ماهو معروف أنها أختفت في كردستان العراق أثناء رحلة عائلية ! وهذه الابنة هي نفس الأبنة التي تم إدانة الأب قيس بالاعتداء عليها في الدنمارك سابقاً .
وبحسب التحقيق المشترك لـ TV 2 Dokumentar وSydsvenskan، تحولت محاولة معرفة مصير الشقيقة إلى رحلة صحفية أوسع أعادت فتح ملفات الأسرة القديمة، وربطت بين أحداث وقعت في الدنمارك وأخرى في السويد، ثم امتدت عملية البحث وصولًا إلى العراق.
ألفيرا تتواصل مع الصحافة
كان لألفيرا دور أساسي في كشف أجزاء من القصة. فقد تحدثت إلى الصحفيين عن تجارب الأشقاء داخل الأسرة وعن شقيقتها التي كانت تريد معرفة مكانها وماذا جرى لها.
ومن هنا لم يعد التحقيق مجرد بحث عن امرأة مفقودة؛ فمع مراجعة تاريخ العائلة بدأت تظهر أمام الصحفيين تفاصيل أخرى عن حياة الأطفال، وتنقل بعضهم بين دول مختلفة، وما قدمته الأسرة للجهات الرسمية على مدار سنوات.
وخلال هذه العملية ظهرت أيضًا قصة محمد القديمة في السويد.
فالطفل الذي دخل مصلحة الهجرة عام 2009 باعتباره قاصرًا عراقيًا وصل دون والديه أصبح رجلًا بالغًا يمكنه الآن أن يروي بنفسه ما حدث.
محمد.. الطفل الذي يكشف بداية قصة أكبر
تبقى تجربة محمد واحدة من أهم المفاتيح لفهم القضية: طفل عاش في الدنمارك منذ نحو السادسة من عمره، ثم اصطحبه والده وهو في الثالثة عشرة إلى السويد، حيث دخل نظام Migrationsverket باعتباره قاصرًا عراقيًا وصل بمفرده. قضى نحو سبعة أشهر في السويد، وتنقل بين مساكن استقبال، ثم رُفض طلبه واختفى قبل أن يعود إلى الدنمارك.
وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا، عاد الابن نفسه للحديث عن تلك المرحلة وعن السبب الذي يقول إنه كان وراء إرسال والده له إلى السويد.
وتضع قصته بداية خيط يقود إلى ملف أكبر لأسرة قيس وسلوى، امتد بين الدنمارك والسويد والعراق وتداخلت فيه قضايا Asyl، Uppehållstillstånd، Familjeåterförening، Migrationsverket، Boende، Arbete، Malmö وStockholm.
ملاحظة تحريرية: «محمد» اسم مستعار استخدمناه في هذا المقال حفاظًا على هوية الابن، وليس اسمه الحقيقي أو الاسم المستعار الذي اختاره التحقيق الأصلي.









