
بعد 11 عاماً من اللجوء.. عائلة منصور تغادر السويد إلى حلب وتحصل على 600 ألف كرون
تستعد عائلة السوري محمد منصور لإغلاق فصل طويل من حياتها خارج الوطن، إذ حددت الثاني من سبتمبر 2026 موعداً لمغادرة السويد والعودة إلى مدينة حلب، بعد موافقة مصلحة الهجرة السويدية على منحها الحد الأقصى من بدل العودة الطوعية – återvandringsbidrag، والبالغ 600 ألف كرون للأسرة.
وقبل أسابيع من موعد الرحلة، لم يعد داخل شقة العائلة في مدينة إسكيلستونا الكثير مما يشير إلى حياة مستقرة. فقد باعت الأسرة معظم الأثاث والأغراض المنزلية، واختصرت ممتلكاتها في خمس حقائب سفر تحمل ما تبقى من رحلة لجوء بدأت قبل نحو 11 عاماً، أمضت منها السنوات الثلاث والنصف الأخيرة في السويد.
ورغم القيمة الكبيرة للدعم المالي الذي حصلت عليه الأسرة، يؤكد محمد منصور أن المال لم يكن السبب الأساسي وراء القرار. فالتحول السياسي الذي شهدته سوريا بعد سقوط حكومة بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024 أعاد فتح باب العودة أمام العائلة، بينما ساهمت صعوبة بناء علاقات اجتماعية مستقرة في السويد في تسريع اتخاذ القرار.
اعتقال الأب دفع الأسرة إلى مغادرة سوريا
بدأت رحلة العائلة خارج سوريا بعدما تعرض محمد منصور للاعتقال لمدة شهر، وفق روايته، بسبب تشابه اسمه مع اسم شخص كانت سلطات النظام السابق تبحث عنه.
وخلال فترة احتجازه، يقول منصور إنه خضع للاستجواب وسوء المعاملة، قبل أن تتمكن أسرته من تأمين خروجه بعد دفع مبلغ مالي. وبعد الإفراج عنه، أصبحت مغادرة سوريا الخيار الوحيد الذي رآه آمناً له ولأفراد عائلته.

ويؤكد منصور أنه لم يكن ليفكر في العودة إلى بلاده لو بقيت السلطة السابقة قائمة، لأن الظروف التي أجبرته على الرحيل كانت ستظل موجودة. لكن سقوط حكومة الأسد غيّر تقييمه للمخاطر، وجعله يرى أن العودة إلى حلب أصبحت ممكنة رغم التحديات الاقتصادية والأمنية التي ما زالت تواجه البلاد.
وبعد سنوات من الإقامة خارج سوريا، وصلت الأسرة إلى السويد قبل نحو ثلاثة أعوام ونصف ضمن برنامج إعادة توطين اللاجئين – vidarebosättning التابع للأمم المتحدة، وحصل أفرادها على تصاريح إقامة على أساس الحماية.
ترحيب في السويد وصعوبة في بناء حياة اجتماعية
لا تصف الأسرة تجربتها في السويد باعتبارها تجربة سلبية بالكامل. فقد شعرت بالترحيب، وحصل الأطفال على فرصة للتعليم، كما تمكن أفرادها من الاستفادة من الخدمات العامة والنظام الاجتماعي السويدي.
لكن المشكلة، بحسب محمد منصور، ظهرت في صعوبة الانتقال من مجرد الإقامة في البلاد إلى الشعور الحقيقي بالانتماء إلى المجتمع.
وخلال السنوات الماضية، التحق منصور وزوجته ببرنامج تعليم اللغة السويدية للمهاجرين Svenska för invandrare – SFI، على أمل إتقان اللغة والوصول إلى الاستقلال المالي والعثور على فرص عمل jobbmöjligheter مناسبة.

ورغم الحضور اليومي واللقاء المستمر مع زملاء الدراسة، لم تتطور هذه العلاقات إلى صداقات أو زيارات اجتماعية خارج المدرسة. ومع مرور الوقت، أصبحت الأسرة تشعر بأنها تعيش حياة منظمة وآمنة، ولكن من دون شبكة اجتماعية قريبة تشبه تلك التي اعتادت عليها في سوريا.
ويرى منصور أن الاختلاف بين نمط الحياة في البلدين كان واضحاً بالنسبة إلى أسرته. ففي سوريا، تشكل الزيارات العائلية والحديث مع الجيران والتواصل المباشر مع الغرباء جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، بينما تعتمد العلاقات في السويد بدرجة أكبر على الخصوصية والمواعيد المسبقة.
ومع ذلك، يشيد منصور بقدرة المجتمع السويدي على استيعاب مجموعات دينية وعرقية مختلفة، وبإمكانية عيش أشخاص من خلفيات متعددة معاً تحت حماية القانون. ويقارن ذلك بما تعانيه سوريا من توترات اجتماعية وطائفية تراكمت خلال سنوات الحرب.

الابن الأكبر يختار البقاء في ستوكهولم
لن يغادر جميع أفراد الأسرة السويد، إذ قرر الابن الأكبر مواصلة حياته في البلاد بعدما تمكن من تعلم اللغة والحصول على عمل والاستقرار في ستوكهولم.
ويخطط الابن لمتابعة دراسته والتقدم مستقبلاً للحصول على الجنسية السويدية – svenskt medborgarskap، بينما سيعود خمسة من أفراد العائلة إلى سوريا.
ويُظهر هذا القرار اختلاف تجارب الاندماج داخل الأسرة الواحدة؛ فالابن الأكبر تمكن من دخول سوق العمل arbetsmarknaden وبناء حياة مستقلة، في حين وجد الأب والأم والبنات أن الاستمرار في السويد لا يتوافق مع تطلعاتهم الاجتماعية والعائلية.
سقوط الأسد أعاد فكرة العودة إلى منزل العائلة
بدأ الحديث الجدي داخل الأسرة عن العودة بعد التغيير السياسي الذي شهدته سوريا في ديسمبر 2024. وكانت الزوجة والبنات، بحسب منصور، أول من طرح فكرة تقديم طلب للحصول على دعم العودة.
فقد رأت بناته أن الدراسة والحياة اليومية في السويد أصبحتا مرهقتين، وأن الأسرة لم تنجح، رغم محاولاتها، في تكوين روابط كافية داخل المجتمع.
وبعد الاتفاق على القرار، جدد أفراد العائلة جوازات سفرهم لدى السفارة السورية في ستوكهولم، ثم أرسلوا طلباً إلى مصلحة الهجرة السويدية – Migrationsverket للحصول على بدل العودة الطوعية.

واستدعت المصلحة أفراد الأسرة إلى اجتماع للتأكد من أن القرار اتُخذ بموافقة الجميع، وأن الانتقال إلى سوريا سيكون طوعياً وليس نتيجة ضغوط يمارسها أحد أفراد العائلة.
وبعد استكمال دراسة الأوراق، تلقت الأسرة قراراً بالموافقة على 600 ألف كرون، وهو أكبر مبلغ يمكن أن يحصل عليه منزل واحد وفق القواعد المطبقة منذ الأول من يناير 2026.
ووصف منصور إجراءات الطلب بأنها واضحة وغير معقدة، لكنه أشار إلى الحاجة إلى تقديم عدد كبير من المستندات، ومنها جوازات السفر وبيانات الحساب المصرفي bankkonto والوثائق التي تثبت إمكانية الإقامة في الدولة التي ستنتقل إليها الأسرة.
الدعم المالي ساعد على تنفيذ القرار لكنه لم يصنعه
يصر محمد منصور على الفصل بين سبب العودة وبين القدرة العملية على تنفيذها. فبالنسبة إليه، جاء القرار أولاً بعد سقوط السلطة السابقة، ثم أصبح بدل العودة من السويد وسيلة لتغطية جزء من تكاليف الانتقال وبداية الحياة الجديدة.
ويشير إلى أن أعداداً كبيرة من السوريين عادوا من تركيا ولبنان ودول الجوار من دون الحصول على مساعدات مالية مماثلة، ولذلك لا يرى أن الأموال وحدها يمكنها دفع شخص إلى العودة إذا كان ما يزال يخشى على حياته.
لكن وضع الأسرة المالي والسكني في حلب جعل الدعم السويدي عاملاً مهماً. فالمنزل الذي كانت تملكه العائلة تعرض للدمار خلال الحرب، وستحتاج الأسرة إلى إنفاق مبالغ كبيرة على تكاليف الترميم – renoveringskostnader وشراء الأثاث وتجهيز المسكن من جديد.
كما ستشمل المصروفات تذاكر السفر flygbiljetter ونقل الأغراض وتسجيل الأطفال في المدارس وتغطية تكاليف المعيشة خلال الفترة الأولى، إلى أن تتمكن الأسرة من إيجاد مصدر ثابت للدخل.
صرف مبلغ الـ600 ألف كرون على ثلاث مراحل
لن تحصل عائلة منصور على المبلغ كاملاً قبل مغادرة السويد، إذ تعتمد مصلحة الهجرة نظاماً تدريجياً للدفع يهدف إلى التأكد من تنفيذ العودة واستمرار الشخص في الإقامة خارج البلاد.
وتُصرف الدفعة الأولى، التي تعادل 20 بالمئة من إجمالي البدل، بعد صدور قرار الموافقة بينما لا يزال الشخص موجوداً في السويد.
وبعد الوصول إلى الدولة المستقبِلة، يمكن التقدم للحصول على الدفعة الثانية، وتعادل 40 بالمئة من المبلغ المتبقي بعد الدفعة الأولى.
أما الدفعة الثالثة والأخيرة، وهي 60 بالمئة من المبلغ المتبقي، فلا تُصرف قبل مرور 15 شهراً على الأقل من تاريخ مغادرة السويد، ويُشترط عندها ألا يكون تصريح الإقامة السويدي سارياً أو أن يكون قد جرى سحبه. (Migrationsverket)
ويستطيع الشخص العودة إلى السويد ما دام يحمل تصريح إقامة صالحاً يسمح له بذلك، لكن عودته بعد استلام أي جزء من البدل قد تجعله مطالباً بإعادة الأموال التي حصل عليها إلى مصلحة الهجرة. وتشمل إمكانية المطالبة بالاسترداد أيضاً الحالات التي لا يغادر فيها الشخص خلال 12 شهراً من القرار أو يحصل فيها على الدعم بناءً على معلومات غير صحيحة. (Migrationsverket)
جدل سياسي حول رسالة بدل العودة
وبقول محمد منصور أنه لو كان يحمل الجنسية السويدية لما وافق على التخلي عنها مقابل المال، لأن الحصول على الجنسية يعني، من وجهة نظره، أن الشخص أصبح جزءاً قانونياً كاملاً من الدولة.
ويرى أن البدل قد يكون مناسباً للأشخاص الذين لم يتمكنوا من الاستقرار والاندماج وما زالوا يحملون تصاريح إقامة، لكن عرضه على المواطنين قد يحمل دلالات تمييزية، وقد يُفسر باعتباره محاولة لتشجيع مواطنين من أصول مهاجرة على مغادرة البلاد.
خطة لترميم المنزل وتسجيل الأطفال في المدارس
بعد الوصول إلى حلب، تخطط العائلة للبدء بتسجيل الأطفال في المدارس، ثم تقييم حجم الضرر الذي لحق بمنزلها ووضع خطة لإعادة تأهيله.
وسيساعدها في ذلك أقارب عاد عدد منهم خلال الفترة الأخيرة من تركيا، وهو ما يوفر للأسرة شبكة اجتماعية يمكن الاعتماد عليها خلال مرحلة الاستقرار الأولى.
وتأمل العائلة في أن تتحسن الأوضاع الأمنية وأن تتمكن من العيش بصورة طبيعية، لكنها تدرك أن إعادة بناء الحياة في سوريا ستكون عملية طويلة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار مواد البناء وضعف فرص العمل وتضرر البنية التحتية والخدمات.
ويرى منصور أن عودة السوريين ضرورية لبدء إعادة إعمار البلاد، لأن بناء المدارس والمنازل والأسواق واستعادة النشاط الاقتصادي لن يكون ممكناً من دون عودة جزء من السكان الذين غادروا خلال الحرب.
كلمة لاجئ كانت العبء الأصعب
لم يزر محمد منصور سوريا منذ مغادرته قبل 11 عاماً، لكن البعد الجغرافي لم يكن، بحسب روايته، أصعب ما واجهه خلال تلك الفترة.
فقد شعر بأن وصفه المستمر باللاجئ، سواء خلال إقامته في تركيا أو بعد وصوله إلى السويد، أبقاه في حالة مؤقتة حتى عندما كان يحمل إقامة قانونية ويعيش مع أسرته في مسكن مستقر.
ومع اقتراب العودة، أصبح السؤال الذي يسيطر على تفكيره متعلقاً بما إذا كان سيظل يحمل صفة اللاجئ طوال حياته، أم سيتمكن أخيراً من العودة إلى بلده واستعادة حياة لا تقوم على الحماية المؤقتة وانتظار قرارات الإقامة.
وقبل موعد السفر بأسابيع، عاد منصور لزيارة مدرسة SFI التي درس فيها اللغة السويدية خلال السنوات الأخيرة. ووقف أمام قاعة الدراسة التي اعتاد الجلوس فيها، مستعيداً ذكرياته مع المكان الذي أصبح جزءاً مهماً من تجربته في السويد.
وأثناء خروجه من المدرسة، التقى زوجين سوريين وصلا حديثاً إلى البلاد وبدآ رحلتهما الجديدة في تعلم اللغة والاستقرار. تبادل الطرفان الأمنيات بالتوفيق؛ الزوجان يستعدان لبناء حياتهما في السويد، بينما كان منصور ينهي الإجراءات الأخيرة للعودة إلى البلد الذي غادره قبل أكثر من عقد.
670 طلباً خلال النصف الأول من عام 2026
أظهرت أحدث إحصاءات مصلحة الهجرة أن عدد طلبات الحصول على بدل العودة الطوعية بلغ 670 طلباً منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية يونيو.
وخلال الفترة نفسها، أصدرت المصلحة قرارات في 503 ملفات، بينها 164 موافقة و282 حالة رفض، بينما أُغلقت 57 قضية بقرارات أخرى، مثل شطب الطلب أو عدم قبوله.
وفي يونيو وحده، استقبلت المصلحة 60 طلباً جديداً، وأنهت دراسة 80 ملفاً، حصل 43 منها على الموافقة وفق البيانات التفصيلية المنشورة عن الشهر.
وتؤكد الصفحة الإحصائية لمصلحة الهجرة إجمالي الطلبات الواردة والملفات التي تم البت فيها حتى نهاية يونيو، بواقع 670 طلباً و503 قرارات. (Migrationsverket)
وكانت معظم الطلبات في بداية تطبيق النظام مقدمة من سوريين، كما أوضحت مصلحة الهجرة سابقاً أن من أبرز أسباب الرفض عدم امتلاك نوع الإقامة المشمول بالقواعد، أو وجود ديون غير مدفوعة لدى هيئة دعم الدراسة CSN أو مصلحة تحصيل الديون Kronofogden. (Migrationsverket)
قواعد بدل العودة الطوعية في السويد
دخلت المبالغ الجديدة حيز التنفيذ في الأول من يناير 2026، ويُحدد الدعم وفق تكوين الأسرة على النحو التالي:
| الفئة | قيمة الدعم |
|---|---|
| شخص بالغ بلغ 18 عاماً | 350 ألف كرون |
| زوجان أو شريكان | 500 ألف كرون كحد أقصى |
| أسرة أو منزل واحد | 600 ألف كرون كحد أقصى |
| طفل يقل عمره عن 18 عاماً | 25 ألف كرون |
(Migrationsverket)
ويشترط للحصول على återvandringsbidrag أن يكون مقدم الطلب مقيماً في السويد بتصريح إقامة صالح، وأن يكون قد حصل على الإقامة في 12 سبتمبر 2024 أو قبل ذلك، استناداً إلى إحدى فئات الحماية أو الحالات الإنسانية المحددة في النظام.
كما يجب أن تكون النية هي مغادرة السويد والاستقرار بصورة دائمة في الدولة الأصلية أو في دولة أخرى يملك الشخص حق الإقامة فيها.
ولا يمكن صرف البدل لمن يخطط للانتقال إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي أو المنطقة الاقتصادية الأوروبية، وتشمل النرويج وأيسلندا وليختنشتاين، كما لا يمكن استخدامه للانتقال إلى سويسرا.
ولا يحق للمواطن السويدي الحصول على البدل وفق القواعد الحالية، كما يُستبعد من سبق أن حصل عليه، ومن لديه ديون غير مسددة لدى CSN أو Kronofogden، إلى جانب بعض الحالات القانونية الأخرى التي تحددها مصلحة الهجرة. (Migrationsverket)
ويجب على مقدم الطلب تجهيز وثيقة سفر صالحة، وإثبات إمكانية استقباله وإقامته في الدولة التي سينتقل إليها، وتقديم بيانات الحساب البنكي السويدي والوثائق المطلوبة لجميع أفراد الأسرة المشمولين بالطلب.
وبالنسبة إلى عائلة منصور، سيمثل مبلغ 600 ألف كرون رأس المال الأول لبدء مرحلة جديدة تشمل السكن bostad وترميم المنزل وتعليم الأطفال utbildning وتكاليف الانتقال والمعيشة، بينما سيبدأ أفرادها من جديد في مدينة تغيرت كثيراً منذ مغادرتهم لها قبل 11 عاماً.









