
في السويد القوانين أولاً.. حق الاختيار العام محدود “القوانين تختار لك الأفضل”
السويد بلد يخضع للقوانين أولًا، ثم تأتي الإنسانية ثانيًا؛ فسيادة القانون هي التي تنظّم استدامة مجتمع عادل ومستقر. وتحدد القوانين السويدية كيفية الحياة والمعيشة في السويد، أما فلسفتك الخاصة فلا مكان لها عندما تتعارض مع القانون. رأيك السياسي يمثله النائب والحزب الذي تنتخبه، وحريتك العامة يحدد إطارها القانون.
الإنسانية تأتي بعد القوانين، وفي الحدود التي تسمح بها القوانين. كما تحدد القوانين كيفية تعاملك مع أطفالك، وتنظّم الكثير من جوانب وضع عائلتك. فلمّ شمل عائلتك وأطفالك ليس حقًا مطلقًا، بل تنظمه القوانين وشروطها؛ وقد تضطر إلى العيش دون زوجك أو أطفالك إذا لم تسمح قوانين لمّ الشمل بجمع الأسرة.
في السويد، القوانين هي التي تحدد، في نهاية الأمر، الإطار الذي تسير ضمنه جوانب كثيرة من حياتك، ثم تأتي الاعتبارات الإنسانية في مرحلة أخرى، وقد لا تكون حاسمة إذا تعارضت مع ما ينص عليه القانون.
يقول «أوغيست أولوف»، وهو صحفي وكاتب سويدي: لكي تعيش في السويد، يجب أن تخضع للقوانين. في بلدان كثيرة يجب عليك الالتزام بالقانون، ولكن في السويد وغيرها من الدول الغربية أنت تخضع لمنظومة واسعة من القوانين. وقد تعتبر السويد بلدًا يحافظ على حقوق الإنسان وكرامته، وهذا صحيح، ولكن من خلال القوانين وليس من خلال العواطف الإنسانية؛ فالإنسانية تأتي في مرحلة لاحقة بعد القوانين والسياسات. وهذا سبب مهم في توازن المجتمع السويدي وتقدمه. ولكن مهلًا!.. هناك وجه آخر للحقيقة، وهو أن هذه القوانين قد تنظّم حياتك إلى درجة التعقيد…
في السويد، غالبًا ليس لك مطلق الحرية في اختيار مدرسة أطفالك، إذ قد يرتبط الأمر بمنطقة سكنك والقواعد المعمول بها. وقد يكون من الصعب أن تختار المركز الصحي الذي تتلقى فيه العلاج أو الطبيب الذي يعالجك، كما أن المواعيد الطبية ليست دائمًا من اختيارك بشكل كامل. وقد تشعر أيضًا بأن القوانين تفرض عليك نمطًا محددًا في البحث عن عمل أو الدراسة. وفي النهاية، قد تشعر بأن هذه القوانين تقلّص مساحة الاختيار أمامك.
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ فأنت تخضع لقوانين السكن والعمل والرعاية الاجتماعية، التي قد تجعلك في بعض الأحيان خاضعًا لاختيارات المؤسسات وليس لاختيارك وحدك. وحتى علاقتك بأطفالك تخضع لقواعد والتزامات قانونية يجب عليك احترامها، وإلا فقد تواجه إجراءات قانونية قد تؤثر في حقوقك ومسؤولياتك الأبوية.
ولو كنت تمتلك راتبًا وقليلًا من المال، فلا تعتقد بالضرورة أنك قادر على الحصول على شقة مؤجرة في المكان وبالمواصفات التي تختارها. فهناك أنظمة للسكن وطوابير انتظار قد تجعلك تنتظر سنوات طويلة للحصول على شقة في مكان مميز في إحدى المدن السويدية. وحتى بعض تفاصيل حياتك اليومية تخضع لقواعد وأنظمة تتعلق بالسكن والهدوء واحترام الجيران.
ويقول الكاتب «أوغيست أولوف»: رغم التطور الاجتماعي وعدالة المجتمع في السويد، فإن القوانين تُطبق بقوة على الفرد إذا أخطأ، بينما قد يشعر الفرد بأن محاسبة مؤسسة حكومية أو موظف عند وقوع الخطأ أكثر صعوبة.
وقد يكون الواقع القانوني قاسيًا ومروعًا إذا كنت لاجئًا أو مهاجرًا إلى السويد؛ فكما قد يتم استقبالك وتوفير الحماية والحقوق لك عند وصولك، فقد تجد أمامك لاحقًا سلسلة معقدة وصارمة من القوانين خلال رحلة الحصول على الإقامة وتجديدها والحصول على الجنسية السويدية. وقد تفقد بعض الحقوق أو يُرفض منحك الإقامة أو تجديدها إذا لم تستوفِ الشروط القانونية. فالإنسانية ربما استقبلتك، ولكن القانون هو الذي يحسم في نهاية الأمر حقك في البقاء.
ويجب التركيز أن حرية الاختيار موجودة نظريًا وقانونيًا في مجالات عديدة، لكنها مقيدة عمليًا بالقوانين والطوابير والطاقة الاستيعابية وقرارات المؤسسات.
في بلد نامٍ أو بلد أوروبي ضعيف قد تكون الفوضى واسعة والقوانين غير فعّالة، فيعاني الإنسان الضعيف داخل المجتمع. وعندما ينظر إلى منظومة قوانين مثل الموجودة في السويد، قد يراها المنقذ له ولمستقبله، ولكنه قد يجد نفسه لاحقًا مقيّدًا بمنظومة واسعة من القوانين التي تتحكم في جوانب كثيرة من حياته. فيصبح حائرًا بين الفوضى القانونية التي ربما منحته مساحة أكبر للاختيار في بلده، وبين منظومة القوانين السويدية الصارمة التي تمنحه سبل العيش والحقوق، ولكن ضمن حدود واضحة.
ويضيف الكاتب في مقاله: نحتاج في السويد إلى تحرير الفرد من سلطوية قوانين الدولة. يجب ألا تتدخل منظومة القوانين بصورة مفرطة في اختيارات الإنسان في السويد، كما يجب تخفيف مركزية الدولة في توجيه المجتمع وتخفيف القيود القانونية. ففي الدول القمعية يمكن تدمير الإنسان بقوة الأمن والسلطة، ولكن في دولة القانون يمكن أن يشعر الإنسان بأنه يُسحق بالقانون نفسه.
قد يرى الزائر أو الوافد الجديد إلى السويد مدى جودة الحياة والحريات العامة فيها، وهذا واقع يلمسه كثيرون، ولكن خلف ذلك توجد منظومة واسعة وصارمة من القوانين، يمكن أن تكون قاسية على من يخالفها، بينما قد ينظر الآخرون إلى هذا الشخص باعتباره متمردًا على القوانين، دون أن يدركوا بالضرورة الظروف التي مر بها.









