تقارير المركز السويدي للمعلومات SCI

لماذا يشتكي المهاجر من الراتب في السويد… أنت من تعيش بنموذج خاطئ!؟

شكوى تتكرر كثيرًا بين ذوي الأصول المهاجرة في السويد: الرواتب لا تكفي، تكاليف المعيشة مرتفعة، والحياة أصبحت عبئًا ماليًا لا يُطاق! لكن المثير للتساؤل أن هذه الشكاوى لا تُسمع دائمًا بالحدة نفسها بين السويديين، رغم أنهم يعيشون في البلد نفسه ويواجهون الأسعار والفواتير ذاتها!
فأين تكمن المشكلة الحقيقية؟ إذا كانت رواتب القطاع الحكومي تخضع لأنظمة ومعايير محددة، ورواتب الشركات الخاصة ترتبط بطبيعة العمل والخبرة والمهارات، فلماذا يشعر بعض المهاجرين بأن رواتبهم لا تكفي؟
هل هناك تفاوت في الأجور والفرص؟ أم أن المشكلة ليست في حجم الراتب أصلًا، بل في نمط الحياة والإنفاق والالتزامات المالية التي يفرضها المهاجر على نفسه؟ وهل يمكن أن يكون نموذج المعيشة الذي اعتاد عليه هو السبب في استمرار معاناته المالية؟




الحقيقة التي قد لا تعجب كثيرين أن سوق العمل السويدي، رغم وجود حالات من التمييز، لا يقوم بالكامل على أساس الأصل أو العِرق، بل تلعب الدراسة والخبرة المحلية وإتقان اللغة دورًا كبيرًا في تحديد فرص العمل والرواتب. وهنا يجد كثير من المهاجرين أنفسهم في موقع أضعف مقارنة بالسويديين.

لكن المفاجأة أن هذه ليست المشكلة الأساسية! فحتى المهاجر الذي ينجح في الحصول على وظيفة مستقرة وراتب جيد نسبيًا، قد يجد نفسه بعد سنوات يردد الشكوى نفسها: الراتب لا يكفي، والمصاريف تلتهم كل شيء!

فما الذي يحدث؟ ولماذا لا يكفي الراتب حتى عندما يرتفع؟

الإجابة تكمن في حقيقة يتجاهلها كثيرون: السويد ليست مجتمعًا اقتصاديًا قائمًا على فكرة أن شخصًا واحدًا يعمل لينفق على أسرة كاملة. بل إن نمط الحياة والنظام الاقتصادي والاجتماعي فيها يعتمدان بدرجة كبيرة على استقلال كل شخص بالغ ماليًا، وعلى وجود دخلين في الأسرة المكوّنة من شخصين بالغين.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما يحاول المهاجر أن يعيش في السويد بنموذج اقتصادي اعتاد عليه في بلده الأصلي، حيث يتحمل شخص واحد مسؤولية إعالة الجميع، والجميع هنا هم عائلته في السويد ، وكذلك التزامات هائلية أو شخصية خارج السويد في بلد الأم بالنسبة للبعض ، وبالتالي فإنه يصطدم بتكاليف معيشة ونظام اقتصادي مختلفين تمامًا، وقد يجد نفسه تحت ضغط مالي مستمر مهما حاول زيادة دخله.





فعندما يعيش الشخص بمفرده في السويد، يتضح هذا الأمر بوضوح. راتب بعد الضريبة يتراوح بين 17 و20 ألف كرون يكفي لحياة مريحة جدًا. إيجار استوديو مع الكهرباء والإنترنت نادرًا ما يتجاوز خمسة آلاف كرون، ويبقى في جيب الشخص ما بين 12 و15 ألف كرون شهريًا. هذا المبلغ يسمح  بالطعام الجيد، والتسوق، والادخار، وامتلاك سيارة بالتقسيط، وحتى السفر أحيانًا. لهذا السبب لا يشتكي السويدي الأعزب كثيرًا، لأنه يعيش داخل نموذج صُمم خصيصًا له.




المشكلة تبدأ لحظة الانتقال من الحياة الفردية إلى الحياة الزوجية. هنا يصطدم كثير من المهاجرين بالواقع السويدي القاسي. المجتمع يفترض تلقائيًا أن الزوج يعمل والزوجة تعمل، وأن دخل الأسرة هو مجموع دخلين لا دخل واحد. عندما يعمل الطرفان، يصل الدخل بعد الضريبة إلى ما بين 35 و40 ألف كرون شهريًا، وهو دخل يسمح بحياة مريحة جدًا حتى مع وجود أطفال، خاصة أن الدولة تتكفل بالصحة والتعليم وتقدم دعم سكن وإعانات أطفال… مع ملاحظة أن الابناء يعملون ايضا في العطلات للحصول على دخل لإعالة أنفسهم في شراء احتياجات خاصة.




لكن عند كثير من العائلات المهاجرة، لا يعمل الطرفان. الزوج يعمل، والزوجة لا تعمل، لأسباب ثقافية أو لغوية أو عائلية. هنا يحدث الانفجار. نفس الراتب الذي كان يكفي شخصًا واحدًا بكرامة، يصبح مطالبًا بإعالة شخصين، مع شقة أكبر، ومصاريف مضاعفة، والتزامات يومية أثقل. فجأة، يتحول الراتب من “جيد” إلى “غير كافٍ”، وتبدأ الشكوى، ويظهر الإحساس بالضغط، ويبدأ البحث عن المساعدات.
الحقيقة التي لا تُقال بوضوح هي أن الرواتب في السويد لم تُصمم لإعالة أسرة بدخل واحد، إلا إذا كان هذا الدخل أعلى من المتوسط بكثير، أي أكثر من 37 ألف كرون قبل الضريبة، أو مدعومًا بدخل جانبي أو مدخرات. من دون ذلك، سيبقى الشعور بالعجز المالي حاضرًا مهما حاول الشخص التقشف.




لهذا لا يشتكي السويديون كثيرًا، لأنهم يعيشون داخل نموذج الحياة الذي صُمم النظام من أجله. يعمل الطرفان، تُقسم المسؤوليات، وتأتي مساعدات الدولة لاحقًا عند وجود الأطفال. أما من يحاول العيش بمنطق الإعالة التقليدي داخل نظام لا يعترف به، فسيجد نفسه دائمًا في صراع مع الواقع.

الخلاصة الصادمة أن السويد ليست بلدًا رواتبها ضعيفة، لكنها بلد لا يكافئ الدخل الواحد ولا يرحم من يخرج عن منطق “الدخل المشترك”. من لا يدرك هذه القاعدة مبكرًا، سيعيش في شكوى دائمة، ليس لأن النظام ظالم بالضرورة، بل لأنه لم يُبنَ على النموذج الذي يحاول البعض فرضه عليه.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى