
محمد طبيب فلسطيني في السويد سيتم ترحيله “لا نعرف أين نذهب وماذا نفعل؟”
يعيش الطبيب محمد أبو عليوة – Mohamed Abou Eliwa وأسرته واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيداً في ملف الهجرة في السويد بعد أن قررت مصلحة الهجرة السويدية عدم تمديد تصريح العمل – arbetstillstånd الخاص به، ما يعني ترحيله مع عائلت ، رغم أنه يعمل طبيباً في السويد منذ سنوات ويحمل ترخيصاً طبياً سويدياً رسمياً… ولكن لم تشفع له وظيفته المهمة المطلوبة لبقاءه في السويد!
محمد يعمل حالياً طبيباً في مركز موسيبيري للرعاية الصحية – Mössebergs vårdcentral في مدينة فالكونشوبينغ – Falköping، وهي مدينة تقع في محافظة فستر يوتالاند – Västra Götaland. ورغم اندماجه الواضح في المجتمع السويدي، واستقرار أطفاله في المدارس السويدية، ووجوده في سوق العمل الطبي، إلا أن ملفه انتهى بقرار صادم يهدد مستقبل الأسرة كلها وهو الطرد والترحيل له ولكل عائلته.
من هو محمد أبو عليوة؟ وما أصله؟
محمد أبو عليوة وُلد ونشأ فلسطينياً عديم الجنسية في ليبيا – Libyen. أي أنه من أصول فلسطينية، لكنه نشأ في ليبيا في ظل ظروف قانونية وسياسية معقدة، من دون جنسية مستقرة.
ويقول التقرير إن حياته في ليبيا كانت صعبة في عهد الزعيم الليبي السابق معمر القذافي – Muammar al-Gaddafi، ولذلك قررت عائلته منحه فرصة أفضل في الحياة، فأرسلته وهو صغير السن إلى أوكرانيا – Ukraina من أجل الدراسة وبناء مستقبل أكثر استقراراً.

من ليبيا إلى أوكرانيا.. بداية الرحلة
في أوكرانيا بدأ محمد دراسة الطب، وهناك تطورت حياته بشكل كبير. فقد درس حتى أصبح طبيباً متخصصاً في أمراض النساء – specialistläkare inom gynekologi، وهناك أيضاً تعرّف إلى شريكة حياته، وتزوج، وبدأ العمل، وأنجب طفلين: وبهذا تكون عائلته الصغيرة قد تشكلت في أوكرانيا، قبل أن تنقلب حياتهم مرة أخرى بسبب التوترات السياسية والحرب.
لماذا غادرت الأسرة أوكرانيا؟
في عام 2014، عندما قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم، دخلت أوكرانيا مرحلة شديدة الاضطراب. في ذلك الوقت كانت الأسرة تقيم في مدينة دنيبرو – Dnipro، وهي من المدن الكبرى في وسط أوكرانيا. ومع تصاعد المخاطر، قررت الأسرة التوجه إلى السويد وطلب اللجوء – asyl.
الوصول إلى السويد والاستقرار الأول
بعد الوصول إلى السويد، استقرت الأسرة أولاً في بلدة ليماريد – Limmared. هناك بدأ محمد رحلة جديدة من الصفر تقريباً. فعلى الرغم من خلفيته الطبية، اضطر إلى دخول سوق العمل من بوابة مختلفة حتى يتمكن من الاستقرار، وفي الوقت نفسه بدأ تعلم اللغة السويدية.
أول أعماله في السويد
- عمل مساعد تمريض – undersköterska في دار لرعاية المسنين.
- ثم في عام 2015 بدأ العمل مساعداً شخصياً – personlig assistent.
- وبعد نحو عامين، وتحديداً بعد موافقة المجلس الوطني للصحة والرعاية الاجتماعية – Socialstyrelsen، بدأ العمل مساعد طبيب – läkarassistent في مركز أودين الصحي – Oden vårdcentral في فالكونشوبينغ.
ويقول محمد إن هذه الوظيفة كانت تعني عملياً أنه يقابل المرضى، ويجري الفحوصات، ويبدأ العلاجات، ولكن تحت إشراف طبيب مسؤول، كما يحدث مع أطباء الامتياز والتخصص – AT- och ST-läkare في السويد.

أول صدام مع قوانين الهجرة في السويد
في عام 2018 واجه محمد أول أزمة كبيرة مع قوانين الهجرة والعمل في السويد. في ذلك الوقت كان يعمل بنظام الساعة، أي موظفاً بالساعة – timanställd، وأصيب بالتهاب في الحلق، ما أدى إلى انخفاض دخله في إحدى الفترات عن الحد الأدنى المطلوب لاستيفاء شروط تصريح العمل في ذلك الوقت. وبسبب عدم بلوغه حد الدخل – inkomstgränsen، صدر قرار بترحيل الأسرة إلى أوكرانيا. ويصف محمد تلك المرحلة بأنها كانت شديدة القسوة على الأسرة.
العودة من جديد إلى السويد
في مارس 2019 عادت الأسرة مرة أخرى إلى مدينة فالكونشوبينغ. وكانت هناك وظيفة بانتظار محمد في المركز الصحي الذي سبق أن عمل فيه. كما حصلت زوجته على وظيفة إدارية – administratör في المركز الصحي نفسه. أما الطفلان، فقد التحقا بالمدرسة في السويد، وبدآ بناء حياتهما هناك من خلال الدراسة والأصدقاء والأنشطة المدرسية والهوايات.
ويؤكد محمد أن أطفاله كانوا صغاراً جداً عند الوصول إلى السويد أول مرة، فقد كان عمرهما نحو ثلاث وأربع سنوات، ولذلك فإن معظم طفولتهما الحقيقية وتشكل هويتهما الاجتماعية حدث داخل السويد. ومنذ ذلك الوقت، تم تمديد تصريح العمل الخاص به مرة بعد مرة.

الحصول على الترخيص الطبي السويدي
في أبريل 2021 حصل محمد على الترخيص الطبي السويدي – svensk läkarlegitimation. وهذا الترخيص مهم جداً، لأنه يعني اعتراف السويد به طبيباً بشكل رسمي، ويسمح له بممارسة المهنة ضمن النظام الصحي السويدي. وبعد حصوله على الترخيص بدأ التدريب التخصصي – ST-tjänstgöring، وهو المسار الذي يتبعه الأطباء في السويد للحصول على التخصص النهائي.
ماذا حدث بعد ذلك؟
في نوفمبر 2022 تم تقديم طلب جديد لتمديد تصريح العمل، وكانت الخطة بعد ذلك أن يتقدم بطلب الإقامة الدائمة – permanent uppehållstillstånd. لكن بدلاً من إنهاء الملف بسلاسة، بدأت المشكلة تتفاقم.
يقول محمد إن الأسرة لم تتلق رداً على الطلب إلا في مايو 2023، أي بعد فترة طويلة. وعندما جاء الرد، طلب الموظف المسؤول في مصلحة الهجرة معلومات إضافية كثيرة، منها:
- جميع كشوف الرواتب منذ عام 2018
- عقود السكن السابقة
- وثائق توضح وضعه المهني خلال السنوات الماضية
ويقول محمد إنه شعر وقتها أن الموظف يبحث عن خطأ ما في ملفه.
جوهر المشكلة: “غيّرت مهنتك”
السبب الرئيسي الذي استندت إليه مصلحة الهجرة، بحسب محمد، هو أنها تعتبر أنه غيّر مهنته، وبالتالي لا تنطبق عليه شروط الاستمرار في تصريح العمل القديم. لكن محمد ينفي ذلك تماماً. ويقول إن ما حدث ليس تغييراً في المهنة، بل تطور طبيعي في المسار المهني:
- بدأ كمساعد طبيب
- ثم حصل على الترخيص الطبي السويدي
- ثم أصبح طبيباً مرخصاً
- ثم دخل في برنامج التخصص
أي أن مهنته الأساسية بقيت داخل المجال الطبي نفسه، لكن التصنيف المهني – yrkesklassificering تغير بعد حصوله على الاعتراف الرسمي الكامل كطبيب. ويضيف أن هذا الأمر تم تأكيده كتابياً أيضاً من جهة التصنيف المهني السويدي – SSYK، Standard för svensk yrkesklassificering التابعة لـ هيئة الإحصاء السويدية – SCB. لكن رغم ذلك، لم تغيّر مصلحة الهجرة موقفها.
قرار الترحيل إلى أوكرانيا
في 23 فبراير صدر القرار الرسمي: لن يتم تمديد تصريح العمل، ويجب على محمد وعائلته مغادرة السويد إلى أوكرانيا. والأكثر صعوبة في القرار أن مصلحة الهجرة اعتبرت أن الأسرة تستطيع الاستقرار في منطقة أخرى من أوكرانيا لا تدور فيها الحرب بشكل مباشر، وليس بالضرورة في مدينة دنيبرو – Dnipro التي كانت تعيش فيها سابقاً. وهذا التقدير زاد من شعور محمد بعدم الفهم والظلم، خصوصاً أن أوكرانيا ما زالت تعاني من تداعيات الحرب، والعائلة فقدت استقرارها هناك منذ سنوات.
أين يعمل الآن؟
محمد يعمل منذ سنوات داخل الرعاية الصحية العامة في فالكونشوبينغ – Närhälsan i Falköping، ويعمل حالياً في: مركز موسيبيري للرعاية الصحية – Mössebergs vårdcentral ،كما أنه يواصل في الوقت نفسه تدريبه التخصصي.
الوضع العائلي والنفسي للأسرة
الضغط النفسي وعدم اليقين أثّرا بشدة على الأسرة. ويقول التقرير إن محمد وزوجته قد انفصلا في ظل هذه الضغوط المستمرة. أما الطفلان، فهما اليوم في عمر: 15 عاماً و16 عاماً والابنة تدرس حالياً في: المدرسة الثانوية – gymnasiet بينما الابن يدرس في: المرحلة الإعدادية – högstadiet ،ويشدد محمد على أن الطفلين عاشا تقريباً حياتهما كلها في السويد، ويشعران بأنهما جزء من المجتمع السويدي، ولا يعرفان أحداً تقريباً في أوكرانيا.
ويقول إن الأسرة: مندمجة في المجتمع السويدي وتعيش من دخلها الذاتي ولديها أصدقاء كثر ولم ترتكب أي جرائم
حلمه المهني لم يكتمل بعد
رغم الأزمة، واصل محمد الدراسة والتدريب. ويقول إنه من المفترض أن ينهي في سبتمبر تخصصه في: الطب العام – allmänmedicin وهو الآن يؤدي جزءاً من تدريبه في: مستشفى سكارابوري في شوفده – Skaraborgs sjukhus i Skövde إلى جانب عمله في المركز الصحي. لكن السؤال الذي يؤلمه هو: هل سيُسمح له بإكمال هذا المشوار أصلاً؟
حلمه بزيارة والديه يبتعد أكثر
بعيداً عن ملف الهجرة والعمل، يحمل محمد جرحاً شخصياً آخر. فهو يقول إن والده في ليبيا تعرض إلى سكتة دماغية – stroke أكثر من مرة، وكان يتمنى أن يراه مجدداً. ويضيف أنه منذ أن كان في سن 16 عاماً لم يتمكن من رؤية والديه إلا مرة واحدة فقط. ومع تعقّد ملفه الحالي، يشعر أن حلم زيارة والديه في ليبيا أصبح أكثر بُعداً من أي وقت مضى.
ماذا فعل بعد القرار؟
محمد قدم استئنافاً – överklagan ضد قرار الترحيل، والقرار يشمل الأسرة كلها. وكان آخر موعد لتقديم الطعن هو: 16 مارس 2026 وبالتالي فإن الأسرة ما زالت تنتظر معرفة ما إذا كانت مصلحة الهجرة ستعيد النظر في الملف أم لا. ويقول محمد باختصار شديد يلخص كل شيء: “لا نعرف ماذا سنفعل. الحياة أصبحت فوضى.”









