
أشعر بالألم لمروري بجوازي السويدي عبر سبعة مطارات عربية دون تأشيرة!
بين أن تكون مواطن من دول نامية شرق أوسطية وأن تحصل على حق المواطنة في السويد فروقات عديدة ومساحة كبيرة من الاختلافات. قبل ثلاثين سنة تلقيت دعوة للمشاركة في أحد اللقاءات الثقافية في دمشق، وكالعادة فإن الجنسيات العربية غير مرحب بها في الدول العربية.
وكوني أحمل جنسية عربية، فإن الأمور قد لا تنتهي على خير في مطار عربي تتوجس أنظمته من الفعاليات الثقافية، رغم أنها تتم بتوجيهات ومراقبة من الأجهزة الأمنية. وبالفعل سافرت بعد الحصول على تأشيرة دخول، ووجدت نفسي في مطار دمشق الأسد قبل أن يتحول لمطار دمشق الدولي بعد التحرير من نظام الأسد المتعفن. وما أن نظر ضابط الجوازات إلى جوازي حتى أشار إلى أحد أفراد الشرطة، الذي اقتادني إلى غرفة مقرفة لا تُفتح من الداخل.
استمريت سجين تلك الغرفة حوالي ساعتين، إلى أن جاء ضابط تبدو عليه ملامح الذكاء المحدود، ليسألني العديد من الأسئلة التي تحمل الرائحة القمعية المعتادة، ثم تم الإفراج عني بعد استعراض العضلات الأمنية. هذا الواقع يتكرر من مطار القاهرة لمطارات الأردن ولبنان وتونس والمغرب والعراق… يومها قررت أن لا أذهب إلى أي بلد عربي إلا إذا حصلت على جواز أوروبي، وهذا هو ما حصل بعد سنوات قليلة…
حيث وجدت نفسي لاجئ في السويد، ثم حاصل على الجنسية السويدية خلال 4 سنوات… (بالنسبة لي حلمًا غير مفهوم). هذا الواقع ليس سعيًا مني؟ ولكن رغبت فيه وجاء بفضل قمع الأنظمة العربية… لا يهم، جنسيتي العربية قد تكون عراقية، سورية، مصرية، ليبية مغضوب عليها عربيًا… لن يفرق المسمى… فالنتيجة واحدة: أننا لا قيمة بجوازاتنا العربية في بلادنا…
أتذكر في القاهرة، ومن وراء الغرف الزجاجية، كنت أرى الأوروبيين وهم يلقون جوازاتهم على الكاونتر من غير حتى أن يبتسموا. كانت جوازاتهم تُختم بسرعة البرق، من غير حتى أن يرفع الضابط رأسه ليقارن بين وجوههم والصور التي في الجوازات، فجميعهم شقرًا بعيون خضراء وزرقاء وأسماء أجنبية لطيفة، يحملون جنسيات وجوازات تحقق لهم قدرًا لائق من الاحترام والتقدير.
بالمقابل، أرى تعساء الحظ حاملين الأسماء العربية الشريرة بالملامح العربية الشرقية المشبوه، الذي عبر بعضهم بسلام بعد نظرات وريبة وشك، بينما تعرقل البعض لساعات في غرف كما التي انتظر فيها، بينما تورط القليل في مشاكل أدت لإهانته وإعادته على نفس الطائرة… والمشترك بين حاملي الجوازات العربية أن جميعهم معرضين للإهانة وعليهم السكوت… جميعهم يشعر بالقلق من ضباط الجوازات، ولا يمكن أن يفعلوا شيء إلا الخضوع ثم الخضوع…
أتذكر وأنا في مطار عربي كبير لبلد عربي رائع «مصر»… تم توقيفي أيضًا بسبب الأسم والنشاط … وكان وجود أختام دخول وخروج من بلد إسلامي غير عربي داخل جواز سفري بمثابة سببًا كافيًا لكي يتم سحق كرامتي لتسعة ساعات بمطار القاهرة، بين الانتظار والنظرات والتحقيق وما بينهما!
وفي نهاية الأمر أُطلق سراحي، ولكني كنت أحصيت آلاف المسافرين الذين حضروا بعدي وغادروا المطار، فيما كنت ما أزال في مكاني عاجزًا عن الحركة أو السؤال أو فهم ما يجري لي. كان ذلك استقبالًا مهينًا في بلد لا يليق به أن يُهين ضيوفه الأشقاء.
بعد سنوات، وفي مطار الملكة علياء بالعاصمة الأردنية عمّان، مررت بتجربة ليست شبيهة، ولكنها تنتمي إلى السياق نفسه في إهدار الكرامة وبأسلوب أكثر تحضر… ولكن في صمت كامل… وهذا الواقع كان مزعج في مطار بيروت، وهو مطار أمني بامتياز، ورغم ذلك فهو مخترق ويتم استعراض العضلات على الشرفاء فقط، ولكن لو أردت إدخال منظومة تسليح أو ممنوعات لكان الأمر سهل في مطار الحريري في بيروت.
الذاكرة لا تنتهي من الذكريات المؤلمة من المغرب العربي للخليج العربي التي كنت أذهب لها بدعوات وتأشيرات مسبقة ورغم ذلك أعاني كل المعاناة … ولكن يجب أن تنتهي الذاكرة لأني حصلت على جواز سويدي الآن… أصبحت أجنبي، لقد تحررت من صفتي الشريرة كعربي أحمل جواز عربي واسم عربي. لقد سمح لي هذا الجواز السويدي، طيب الذكر، أن أمر وأسافر من 7 مطارات عربية دون تأشيرة، ودون أن يسألني أحد أي سؤال أو أين تأشيرتي والموافقة الأمنية!
لقد تحملت النظرات الفاحصة والغمز واللمز وأنا حامل الجواز السويدي، ولكن هذا متوقع، فــــ لا زال اسمي وشكلي شرير بالنسبة لهم! ولكني مررت بين 7 مطارات عربية يحتاج المواطن من بلدي العربي الأصلي أكثر من سبعة معجزات لكي يمر من واحدة منهم! كما أنني أصبحت قادر على اختراق حدود صحراء العرب الخليجية بجوازي السويدي بدون تأشيرة… بعدما كانت كرامتي تردم برمال صحراء الخليج للحصول على تأشيرة وكفيل، إذا فكرت مجرد التفكير بالدخول لصحراء العرب الخليجية بجوازي العربي الشرير.
أتذكر فيما كنت واقفًا في طابور الأجانب بمطار عربي مشهور وكبير… وبكل ثقة وقوة وتعالٍ، كوني أحمل جوازًا أوروبيًا سويديًا، توجه إليّ أحد الضباط الشباب غاضبًا، بحيث لم أتمكن من فهم ما كان يقول. وحين حاول أن يمسك بذراعي ليخرجني من الطابور، صرخت به: «ماذا تريد؟»، فقال بطريقة ساخرة: «مكانك ليس هنا». حينها انتبه أحد زملائه وطلب جواز سفري، فنظر في الجواز، وهنا صمت الضابط متخاذلًا على مضض وابتعد من غير أن يعتذر عما فعله. كان مشهدًا رثًا وحزينًا ويدعو إلى الإشفاق، كانت الكراهية عنوانه.
عندما وصلت لأول الصف ووضعت جوازي الأجنبي السويدي لختمه والدخول… نظر ضابط الجواز لي وللجواز وظل يقلبه وينظر… لا أعرف لماذا يفعل ذلك… ولكن فهمت أنه جواز أوروبي سويدي لشخص ليس أشقر ولا يحمل اسم أجنبي لطيف، لا زال اسمي وشكلي العربي الشرير حاضر…!
في نهاية رحلتي وعودتي للسويد، كنت أشعر بالألم والحزن لمروري بجوازي السويدي عبر سبعة مطارات عربية دون تأشيرة، رغم أني فشلت بدخول أي بلد عربي سابقًا بجوازي العربي بدون تأشيرة! لم أفهم معنى الكرامة والثقة في النفس والانتماء… إلا عندما وصلت إلى السويد ونظرت للجواز السويدي، الذي جعلني أشعر أنني إنسان ذو حقوق وكرامة، وأن بلاد العرب ليست أوطاني بل هذا الجواز الأحمر طيب الذكر.









