مقالات رأي

السويد الجميلة التي منحتني كل شيء إلا.. “الوطن”

السويد، تلك البلاد الرائعة الجميلة التي منحتني كل شيء، لكنها فشلت أن تمنحني الوطن والانتماء… وفي سوريا، حيث أنتمي، يوجد وطني الذي لم يمنحني أي شيء، لكنه منحني الانتماء.

هذا ما أشعر به، ويشعر به الكثير من المهاجرين، وهو ليس تناقضًا، بل هو من أكثر المشاعر الإنسانية شيوعًا بين المهاجرين الذين نجحوا ماديًا وقانونيًا في بلد جديد مثل السويد، فحصلوا على الجنسية السويدية والاستقرار لهم ولأبنائهم، لكنهم لم يجدوا الوطن والانتماء؛ لأنهم لم يهاجروا وجدانيًا، ولأنهم لا يشبهون هذا الوطن الجديد.

السويد أعطتك الحقوق، لكن الوطن لا يُقاس بالحقوق فقط! والوطن الأصلي أعطاك الانتماء، حتى لو حرمك من كل شيء آخر. فالسبب أعمق من السياسة والخدمات والاقتصاد.




فالوطن ليس المكان الذي يقدم لك أفضل نظام صحي أو أفضل مدرسة أو المال والسكن والصحة، بل المكان الذي تشعر فيه أن وجودك طبيعي وغير مُفسَّر، المكان الذي لا تحتاج فيه إلى شرح نفسك للآخرين، ولا إلى ترجمة روحك من لغة إلى أخرى، المكان الذي لن يسألك فيه أحد: من أين أنت؟

في سوريا، رغم كل ما عانيته، كنت ابن المكان. كنت أفهم النكات قبل أن تُقال، وأفهم الإشارات والعادات والوجوه واللهجة والذاكرة الجماعية. كنت جزءًا من قصة طويلة بدأت قبل ولادتك بقرون. لا يوجد أحد يسألني من أين أنا، ولا أكون مضطرًا لشرح من أين أتيت ولماذا أنا هنا.




أما في السويد، فأنا مواطن قانونيًا، لكنني لم أدخل السردية التاريخية والثقافية التي صنعت المجتمع السويدي عبر مئات السنين. في السويد أنا مضطر دائمًا أن أشرح لنفسي ولغيري من أنا، وبدون كلمات؛ يكفي الإحساس والنظرات.

هناك فرق بين:

المواطنة.

والانتماء.

المواطنة ورقة.

أما الانتماء فهو شعور.

يمكن للدولة أن تمنحك الأولى، لكنها لا تستطيع أن تمنحك الثانية.

ولهذا تجد نفسك تقول:

“السويد أعطتني كل شيء: السكن والصحة والتعليم والأمان.”

لكنك لا تستطيع أن تقول:

“السويد أعطتني جذوري.”

لأن الجذور لا تُمنح.

الجذور تُولد مع الإنسان.

هناك سبب آخر أكثر عمقًا.




فالإنسان لا ينتمي فقط إلى الأرض، بل إلى الذاكرة. والإنسان يشبه دائمًا المكان الذي ينتمي إليه، ليس بالشكل فقط، بل بالوجدان والانتماء.

في سوريا توجد ذكريات طفولتك الأولى.

أول مدرسة.

أول صديق.

أول حب.

أول خوف.

أول فرح.




حتى الروائح والأصوات والمشاهد مرتبطة هناك بجزء من هويتك النفسية. عندما تمشي في شارع من شوارع مدينتك الأصلية، فأنت لا ترى الشارع المهمل فقط، بل ترى نفسك القديمة التي كانت تسير فيه، وتشعر بوجدانك برائحة المكان ودفء الانتماء.

أما في السويد، فأنت ترى مكانًا جميلًا ومنظمًا وآمنًا، لكنه لا يحتوي على ذلك الأرشيف الوجداني المتراكم داخل روحك. ولهذا يشعر كثير من المهاجرين أن الوطن القديم يسكنهم حتى عندما يرفضون العودة إليه.

فالسويد جعلت الوطن القديم أشبه بنزهة جميلة تتمنى رؤيتها والذهاب إليها، ولكنك في نهاية الأمر يجب أن تعود إلى بيتك في السويد.

ثم هناك مسألة الثقافة والعقيدة.

أنت تشعر أن المسافة بين ثقافتك الأصلية والثقافة السويدية كبيرة. ولك أن تنعزل من أول يوم إلى آخر يوم عن الثقافة السويدية، فعقيدتك وتقاليدك وثقافتك قد تمنعك من الاقتراب الكامل من المجتمع السويدي.




وليس لأن إحداهما أفضل من الأخرى، بل لأن الإنسان يتشكل في مسقط رأسه خلال أول عشرين سنة من عمره تقريبًا، ويرث من مسقط رأسه جذور ثقافة الآباء والأجداد. ومع الهجرة يبقى الإنسان قادرًا على التعلم والتكيف، لكنه نادرًا ما يعيد تشكيل هويته بالكامل.

ولهذا قد تتعلم السويدية بطلاقة.

وقد تحمل الجنسية السويدية.

وقد تعمل وتنجح وتشتري منزلًا.

لكن جزءًا داخلك يبقى يفكر ويحزن ويفرح بشجن، ويتذكر بالوجدان الذي تشكل في بلاد الشام أو العراق أو غيرها من البلدان التي ينتمي إليها المهاجر.

أما أبناؤك فقصتهم مختلفة.

أنت تقارن إحساسك بإحساسهم، لكنهم غالبًا سيعيشون هوية مختلفة. هم غيرك تمامًا، ولكنهم جزء منك أنت، وليسوا جزءًا من آبائك وأجدادك ووطنك سوريا بالطريقة نفسها.

هم ينتمون إلى سوريا بقدر انتمائك لها وأنت في السويد فقط؛ في طعام تأكله، أو كلمات تقولها، أو ممارسات تفعلها. لكنهم خارج الانتماء العميق لسوريا، فلا يشعرون بانتمائك الكامل لها، ولا بانتمائك الكامل للسويد.




أبناء الجيل الثاني من الهجرة سيعيشون منطقة وسطى. سوف يشعرون أنهم سوريون أمام السويديين، وسويديون أمام السوريين.

وهذه تجربة الازدواجية المعروفة عند أبناء المهاجرين في كل أنحاء العالم.

لكن السؤال الأهم هو:

هل الوطن هو المكان الذي يمنحك الشعور بالانتماء فقط؟

لو كان الأمر كذلك لما غادر ملايين البشر أوطانهم.

ولو كان الوطن هو المكان الذي يمنحك الخدمات فقط لما شعر كثير من المهاجرين بالحنين.

الحقيقة أن الإنسان يحتاج الأمرين معًا:

الكرامة والأمان والحقوق.

والانتماء والمعنى والذاكرة والتاريخ.

عندما يفقد الأولى يهاجر.

وعندما يفقد الثانية يشتاق.

ولهذا يعيش كثير من المهاجرين حالة مؤلمة يمكن تلخيصها بجملة واحدة:

“وطني لم يمنحني شيئًا إلا الانتماء، والسويد منحتني كل شيء إلا الوطن.”




وربما لهذا تبدو لك العلاقة بينك وبين السويد كعلاقة النخيل بالثلوج. ليس لأن السويد سيئة أو لأنك ترفضها، بل لأن الإنسان يستطيع أن يزرع شجرة في أرض جديدة، لكنه لا يستطيع أن يمحو الأرض الأولى التي نبتت فيها جذوره.

فالنخيل لا يظهر تلقائيًا في الثلوج إلا إذا تم غرسه هناك، وتم عزله عن البيئة المحيطة بالقدر الذي يحافظ على كيانه القادم منه.

وهنا تكمن مفارقة الهجرة كلها: أحيانًا يكون أفضل مكان للعيش ليس هو المكان الذي يشعرك بأنه وطن، وأحيانًا يكون الوطن الذي يسكن قلبك ليس المكان الذي تستطيع أن تعيش فيه. فيكون لسان حال المهاجر:  “وطني لم يمنحني شيئًا إلا الانتماء، والسويد منحتني كل شيء إلا الوطن.”

وشيء واحد فقط قد ينهي هذه الازدواجية لك ولأبنائك، وهو الذوبان الكامل وحذف الجذور. وهذا ينجح مع البعض الذين نسوا لغتهم الأم، ولم يورثوها لأبنائهم، وانتهجوا ثقافة الوطن الجديد بالوجدان والثقافة، وربما بالعقيدة أيضًا، وإن لم يكن ذلك معلنًا رسميًا.

 




مقال لكاتبه
د. رازي سلطان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى