قضايا العائلة والطفل

“غابرييلا” تكتشف بعد 45 عاماً عاشتها مع عائلة سويدية ..أنها انتُزعت من أسرتها

عاشت غابرييلا في السويد وهي تعتقد أنه عُثر عليها رضيعة متروكة، فتم احتضانها من قِبل العائلة السويدية، لكن هذا لم يكن صحيحًا، والحقيقة كانت صادمة؛ فأسرتها لم ترمِها، ولم تعثر عليها العائلة السويدية التي احتضنتها، بل تم انتزاعها قسرًا من أسرتها. هذا ما توصلت إليه غابرييلا بعد أن أجرت اختبار الحمض النووي، الذي كشف بعد 45 عامًا حقيقة عائلتها ووثائق تبنيها.

لم تكن غابرييلا تتوقع أن يؤدي إشعار صغير من منصة متخصصة في تحليل الأنساب إلى تغيير كل ما تعرفه عن اسمها وميلادها وعائلتها. فالمرأة المقيمة في مدينة سودرتاليا السويدية عاشت أكثر من أربعة عقود على أساس رواية تقول إنها كانت طفلة مجهولة الأبوين، قبل أن تكشف نتائج اختبار الحمض النووي (DNA-test) أنها كانت مطلوبة من أسرتها في البرازيل وأن والدتها لم توافق على التخلي عنها.




النتيجة لم تمنحها أقارب جددًا فحسب، بل كشفت أيضًا أن تاريخ الميلاد ومكان الولادة وأسماء الوالدين الواردة في أوراقها لم تكن مطابقة للحقيقة. وبعد رحلة طويلة من البحث عن الأصول (ursprungssökning)، استطاعت غابرييلا أخيرًا مقابلة والدتها وإخوتها في البرازيل، واستعادت اسمها الأصلي الذي ظل مجهولًا بالنسبة إليها طوال حياتها.

3 1
غابرييلا

طفلة عمرها ستة أشهر تصل إلى السويد

بدأت حياة غابرييلا في السويد عام 1981، عندما أحضرتها أسرة سويدية من البرازيل وهي تبلغ قرابة ستة أشهر. وكان والداها السويدي بالتبني قد تعرفا، من خلال شخص سويدي يقيم في البرازيل، إلى محامية هولندية تولت إعداد المستندات اللازمة لنقل الطفلة إلى السويد.

لم تحاول الأسرة السويدية إخفاء حقيقة التبني عنها. فقد نشأت غابرييلا وهي تعرف أنها بدون أسرة، لكنها لم تكن تمتلك معلومات موثوقة يمكنها من خلالها الوصول إلى عائلتها البيولوجية أو معرفة المكان الحقيقي الذي جاءت منه.




القصة التي نُقلت إلى الأسرة قالت إن الطفلة عُثر عليها بعد ولادتها بفترة قصيرة داخل سلة في حديقة تابعة لأحد رجال الدين. ووفق تلك الرواية، كانت بلا ملابس تقريبًا ومغطاة بقطعة قماش قديمة، ثم تولت عائلة رجل الدين وعدد من الراهبات رعايتها مؤقتًا، إلى أن تسلمتها المحامية المسؤولة عن إجراءات التبني.

وعلى الرغم من أن هذه التفاصيل رافقتها منذ طفولتها، ظل لديها شعور بأن جزءًا أساسيًا من هويتها مفقود، لذلك بدأت لاحقًا الاهتمام بعلم الأنساب (släktforskning) ومحاولة الوصول إلى أي شخص قد تكون له صلة بعائلتها الأصلية.

2 1
غابرييلا وشقيقتها

اختبار الأنساب لم يمنحها إجابة سريعة

قبل نحو ست سنوات، أجرت غابرييلا فحصًا للحمض النووي عبر منصة MyHeritage. كانت تأمل أن يظهر تطابق مباشر مع والدتها أو أحد إخوتها، إلا أن النتائج الأولى لم تتضمن قرابة قريبة يمكنها البناء عليها. ومع غياب التطابقات المفيدة، لجأت إلى مجموعات فيسبوك التي تجمع أشخاصًا تم تبنيهم  أو يبحثون عن أقاربهم. نشرت ما لديها من أسماء وتواريخ وبيانات، لكنها لم تحصل في البداية على دليل يقودها إلى أسرتها.




حدث التحول الأول عندما كتبت اسم المحامية الهولندية التي شاركت في إعداد وثائقها. وأرسل إليها أحد المتابعين مادة تلفزيونية قديمة تتناول عمليات تبنٍّ تمت بطرق غير قانونية، وكانت المحامية نفسها تظهر فيها وهي تشرح مساعدتها أزواجًا أجانب على تسجيل أطفال قيل إنهم حصلوا عليهم من عيادات.

عندها بدأت غابرييلا تدرك أن رواية العثور عليها في السلة والحديقة ربما لم تكن سوى قصة سويدية هولندية أُعدت لتفسير وجود طفلة أجنبية مع أسرة سويدية . وأدى انهيار الرواية التي عاشت معها إلى أزمة نفسية وشعور عميق بفقدان الهوية، خصوصًا بعدما استمرت محاولات البحث سنوات من دون نتيجة واضحة.




بعد ما يقارب خمسة أعوام من الانتظار، ظهر في ربيع 2025 تطابق جديد داخل نتائج فحص الحمض النووي. كان الشخص رجلًا يعيش في هولندا، وأظهرت البيانات أنه ابن عم لغابرييلا. تواصل الرجل معها وأوضح أنه سمع داخل عائلته عن طفلة فُقدت بسبب عملية انتزاع. وبدأ في مراجعة أسماء الأقارب والروابط العائلية، ثم عاد إليها لاحقًا ليخبرها بأنه يعتقد أنه توصل إلى والدتها البيولوجية.




نظم ابن العم أول اتصال مصور بين غابرييلا والأسرة في البرازيل. لم تقتصر المكالمة على الأم، بل شارك فيها الإخوة والأخوات وعدد متزايد من الأقارب، واستمر اللقاء الإلكتروني لساعات.

33 1
غابرييلا ووالدتها

لاحظت غابرييلا تشابهًا واضحًا بينها وبين بعض إخوتها، خصوصًا في ملامح العينين، لكنها لم ترغب في اعتبار التشابه دليلًا نهائيًا. لذلك أرسلت والدتها البيولوجية ماريا عينة لإجراء فحص مستقل في البرازيل. وفي 2 يوليو  2026 ظهرت النتيجة المؤكدة: ماريا هي والدتها، وغابرييلا هي الطفلة التي فقدتها الأسرة قبل أكثر من أربعة عقود.

لم تكتفِ غابرييلا بالمكالمات والصور. ففي نهاية يونيو 2026 سافرت مع ابنتها في رحلة إلى البرازيل (resa till Brasilien) لمقابلة الأسرة وجهًا لوجه للمرة الأولى.




عند وصولهما إلى مطار بورتو سيغورو، كانت أختها غير الشقيقة وأسرتها في استقبالهما. وبعد اللقاء الأول، قطعتا رحلة بالسيارة استغرقت نحو ثلاث ساعات للوصول إلى مدينة تيشيرا دي فريتاس، حيث تجمع أفراد العائلة في انتظارها.

أعد الأقارب استقبالًا كبيرًا شمل الكعك والأعلام البرازيلية والمفرقعات الاحتفالية. وبالنسبة إلى غابرييلا، لم يكن المشهد مجرد زيارة إلى بلد الميلاد، بل لحظة انتقال من الاعتقاد بأنها طفلة غير مرغوب فيها إلى معرفة أن والدتها حاولت استعادتها وظلت تتذكرها طوال السنوات الماضية.

شعرت بأنها وصلت إلى بيتها الأصلي، رغم تأكيدها أن حياتها وبيتها الآخر لا يزالان في السويد. وبذلك أصبحت الرحلة بين السويد والبرازيل جزءًا من إعادة بناء هويتها، وليس مجرد سفر عائلي أو حجز تذاكر طيران (flygbiljetter) للقاء أقارب جدد.

الأم تروي ما حدث قبل 45 عامًا

خلال وجودها مع العائلة، استمعت غابرييلا إلى رواية والدتها عن الأشهر الأولى من حياتها. ووفقًا للأم، كانت ثلاث نساء هولنديات يعملن في إدارة روضة أطفال قد حاولن إقناع الوالدين بتسليم طفلتهما للتبني.

رفضت الأم الاقتراح، إلا أن النساء أخذن الطفلة على الرغم من رفض الأسرة. وعندما حاولت الأم استعادتها، قيل لها إن الطفلة أصبحت بالفعل لدى أسرة أخرى وإن إجراءات تبنيها قد انتهت.




بعد فترة قصيرة، توفي والد غابرييلا، وأصبحت الأم مسؤولة بمفردها عن إعالة بقية أبنائها في ظروف مالية شديدة الصعوبة. وظلت الأسرة تتحدث عن الطفلة الغائبة، بينما كانت غابرييلا في السويد تعتقد أن والديها لم يكونا معروفين وأن أحدًا لم يبحث عنها.

هذا الاختلاف الكامل بين الروايتين كان من أصعب ما واجهته غابرييلا؛ فقد اكتشفت أن الصورة التي بنت عليها فهمها لنفسها لم تكن قريبة من الحقيقة التي عاشتها أسرتها في البرازيل.

وتشير وثائق القضية إلى أن المحامية الهولندية المسؤولة عن وثائق التبني ، أخبرت الزوجين السويديين بأن يجب عملية صيغة تشير أن الطفلة هي مفقودة العالئة، و هو الطريق المتاح لإحضار الطفلة إلى السويد. كما قدم الزوجان عند عودتهما شرحًا للمحكمة السويدية حول الطريقة التي أُعدت بها الأوراق.

لهذا السبب لا تحمل غابرييلا والديها بالتبني مسؤولية مباشرة لما وقع. وهي ترى أنهما اعتمدا على ما أبلغتهما به المحامية، وتصرفا وفق المعرفة المتاحة لهما آنذاك، كما لم يخفيا عن السلطات السويدية كيفية تسجيل المستندات، .

اسمها الحقيقي ظل غائبًا طوال حياتها

من أهم ما حصلت عليه غابرييلا بعد الوصول إلى عائلتها معرفة اسمها الأصلي: كروزا بيريرا دوس سانتوس – Creuza Pereira Dos Santos.




الاسم الجديد بالنسبة إليها ليس مجرد تعديل في الأوراق، بل حلقة اتصال بينها وبين الأسرة والمكان والتاريخ الذي حُرمت من معرفته. وتؤكد أن الأشخاص الذين تم تبنيهم يجب أن يحصلوا على إجابات واضحة بشأن أصولهم، لأن غياب المعلومات قد يترك آثارًا طويلة تتعلق بالانتماء والصحة النفسية والعلاقات العائلية.

ترغب غابرييلا في استخدام تجربتها لمساعدة آخرين لا يزالون يبحثون عن أسرهم، وإظهار أن نجاح الطفل في حياته الجديدة لا يلغي حقه في معرفة هويته وتاريخه.

ولا تزال تحتاج إلى وقت لفهم ما حدث واستيعاب العلاقات الجديدة، إلا أن مقابلة والدتها وإخوتها منحتها إجابات كانت تفتقدها طوال حياتها. كما ساعدتها على الانتقال من الاعتقاد بأنها تُركت دون أن يبحث عنها أحد، إلى معرفة أنها كانت محبوبة وأن عائلتها لم تتوقف عن تذكرها.

ورغم رغبة الأسرة البرازيلية في بقائها بالقرب منها، عادت غابرييلا وهي تعرف أن لها الآن بيتين وعائلتين وجزأين من الهوية: حياتها التي بنتها في السويد، وأصولها التي عثرت عليها بعد 45 عامًا في البرازيل.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى