
السويدية Ulla كانت تجلس وتتحدث وتأكل… لكنهم قرروا معاملتها كأنها في ساعاتها الأخيرة
لم تكن أولا-بريت (Ulla-Britt) فاقدة للوعي، ولم تكن عاجزة عن تناول الطعام أو الشراب. كانت السيدة البالغة من العمر 92 عامًا تجلس وتتحدث مع أسرتها، إلا أن طبيب دار المسنين في العاصمة السويدية ستوكهولم (Stockholm) قرر وصف حقن تُستخدم عادة للساعات الأخيرة جدًا من حياة الإنسان.
بدأت العائلة تشعر بأن أمرًا خطيرًا يحدث عندما تلقت الحفيدة ناتالي (Nathalie) رسالة واضحة من إحدى الممرضات: جدتها ستُترك لتنام خلال الفترة الأخيرة من حياتها. لكن ناتالي لم تقتنع بأن جدتها تحتضر، ورفضت قبول القرار دون معرفة حالتها الحقيقية. وبعد مواجهة طويلة، تمكنت من إيقاف الحقن ونقل جدتها إلى المستشفى، حيث اكتشف الأطباء وجود حالة قابلة للعلاج لم ينتبه إليها طبيب دار المسنين.
من هي أولا-بريت؟
كانت أولا-بريت امرأة سويدية تبلغ من العمر 92 عامًا، وتعاني من مرض باركنسون. وكانت تقيم في دار للمسنين تابعة لمؤسسة بلومسترفوندن (Blomsterfonden) في ستوكهولم.
قبل بداية الأزمة، نُقلت إلى المستشفى بسبب التهاب رئوي، وظلت هناك لمدة أسبوعين تتلقى العلاج. وبعد تحسن حالتها، عادت إلى دار المسنين.
رأى طبيب المستشفى أنها ربما دخلت مرحلة متقدمة من الرعاية التلطيفية بسبب مرض باركنسون، لكنه لم يقل إنها وصلت إلى الساعات أو الأيام الأخيرة من حياتها.

هناك فارق كبير بين أن يكون المريض في مرحلة تلطيفية متقدمة (sen palliativ fas)، وبين أن يكون في نهاية الحياة الفعلية (livets slutskede). فالمريض في المرحلة التلطيفية قد يواصل الحياة فترة طويلة، وقد يحتاج إلى علاج حالات صحية جديدة يمكن الشفاء منها.
لكن بعد عودة أولا-بريت إلى دار الرعاية، جرى التعامل معها بطريقة مختلفة تمامًا.
قرار مصيري اتُّخذ عبر الهاتف
لم يذهب طبيب دار المسنين إلى أولا-بريت لفحصها قبل اتخاذ القرار. ووفقًا لما روته حفيدتها ناتالي، كان الطبيب يقف في موقف للسيارات ويتحدث عبر الهاتف، ولم يكن موجودًا أمام جهاز الكمبيوتر أو بالقرب من المريضة.
ورغم ذلك، تقرر وصف مجموعة من الحقن المخصصة لتخفيف أعراض المرضى خلال المرحلة الأخيرة جدًا من حياتهم. كانت هذه الحقن تُسمى لدى شركة الرعاية الطبية المسؤولة «وصفات الطمأنينة» (trygghetsordinationer)، وهي جزء مما يُعرف في الرعاية الصحية السويدية بالحزمة التلطيفية (palliativt kit).
الحفيدة ناتالي فوجئت بعد ذلك بإبلاغها أن جدتها ستنام خلال الفترة الأخيرة من حياتها، وكأن قرارًا نهائيًا قد اتُّخذ بأن حالتها لم تعد قابلة للعلاج.لكن مقاطع صورتها العائلة بالهاتف أظهرت صورة مختلفة: أولا-بريت كانت مستيقظة، تجلس وتتحدث، كما كانت قادرة على الأكل والشرب.
حقن تُستخدم عادة في الساعات الأخيرة
تشمل الحزمة التلطيفية عدة أدوية تُعطى عن طريق الحقن، لأن المرضى المحتضرين قد يفقدون القدرة على ابتلاع الأقراص.
وتضم عادة:
- المورفين (Morfin) لتخفيف الألم.
- هالدول (Haldol) لمواجهة الغثيان.
- ميدازولام (Midazolam) لتخفيف القلق والتوتر.
- روبينول (Robinul) للتقليل من الإفرازات والأصوات التنفسية التي قد تظهر لدى المريض المحتضر.
أثار دواء روبينول خصوصًا أسئلة خطيرة في حالة أولا-بريت، إذ أوضح الخبير الطبي الذي راجع ملفها أن هذا الدواء يُستخدم عادة عندما يكون المريض في ساعاته الأخيرة، وفاقدًا للوعي، وتظهر لديه أصوات تنفس مرتبطة بقرب الوفاة.
ومع ذلك، كانت أولا-بريت خلال هذه الفترة مستيقظة وتتفاعل مع من حولها.
والقاعدة الطبية الأساسية هي أن يفحص الطبيب المريض أولًا، ويتأكد من عدم وجود مرض أو حالة يمكن علاجها، قبل إصدار أوامر باستخدام أدوية المرحلة الأخيرة من الحياة.
حفيدتها رفضت الاستسلام
لم تقبل ناتالي تفسير دار المسنين، واستمرت في الاعتراض والمطالبة بإيقاف الحقن وفحص جدتها بشكل حقيقي. وبعد احتجاجاتها، أوقف الطبيب العلاج بالحقن. وعندها زار أولا-بريت للمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر ونصف تقريبًا. لكن حتى خلال هذه الزيارة، لم يُكتشف أن الالتهاب الرئوي الذي كانت تعاني منه لم يختفِ بالكامل.

لاحظت ناتالي أن حالة جدتها تحتاج إلى رعاية حقيقية، فقررت أخذها إلى المستشفى. وهناك ظهرت المفاجأة: الرئة اليمنى كانت قد انهارت، وكانت أولا-بريت تعاني من حالة خطيرة لكنها قابلة للعلاج.حصلت على مضادات حيوية، كما أجرى الأطباء عملية لتصريف السوائل من الرئة (dränage). وبعد العلاج بدأت حالتها تتحسن واستعادت جزءًا من قوتها. أي أن المشكلة لم تكن مجرد أعراض طبيعية لشخص يحتضر، بل كانت هناك حالة صحية يمكن للأطباء التدخل لعلاجها.
خبير سويدي: ما حدث يجب التحقيق فيه
راجع الطبيب الاستشاري غونار إيكيردال (Gunnar Eckerdal) جميع السجلات الطبية الخاصة بأولا-بريت. وهو طبيب متخصص ومعتمد في الرعاية التلطيفية.
وبعد الاطلاع على الملف ومشاهدة المقاطع التي صورتها العائلة، اعتبر أن التقييم الطبي الذي تم لم يكن مقبولًا.
وأكد أن القرارات الطبية لا يمكن أن تُبنى فقط على معلومات ينقلها آخرون دون أن يفحص الطبيب المريض بنفسه.
وبحسب تقييمه، حصلت أولا-بريت على علاج خاطئ، وأن الواقعة تستوفي شروط ما يُعرف في السويد بقضية Lex Maria، وهي الحالات التي يجب الإبلاغ عنها والتحقيق فيها عندما يتعرض المريض لخطر إصابة خطيرة أو ضرر طبي جسيم.
وعندما شاهد الخبير مقطعًا تظهر فيه أولا-بريت وهي جالسة وتتحدث، بدا مندهشًا من نشاطها مقارنة بطريقة وصف حالتها على أنها في نهاية الحياة.
شركة تدير الرعاية الطبية في أكثر من 200 دار مسنين
كانت المسؤولية الطبية داخل دار المسنين تتبع لشركة الرعاية الخاصة فاميلي ليكارنا (Familjeläkarna i Saltsjöbaden).
وتقدم الشركة خدمات طبية لأكثر من 200 دار لرعاية المسنين، كما تُعد من أكبر الجهات العاملة في هذا المجال داخل إقليم ستوكهولم (Region Stockholm).
تحدث أطباء يعملون لدى الشركة لبرنامج التحقيقات عن أعباء عمل كبيرة، وقال بعضهم إن الطبيب قد يكون مسؤولًا عن نحو 300 مريض خلال الأسبوع، وهو ما يجعل مقابلة جميع المقيمين بصورة منتظمة أمرًا صعبًا.
أما الشركة فقالت إن أطباءها يكونون عادة مسؤولين عن نحو 200 إلى 250 مريضًا أسبوعيًا، وإن الطبيبة المسؤولة عن أولا-بريت كانت مكلفة بـ180 مريضًا في الفترة المعنية.
الشركة ودار المسنين ترفضان الاعتراف بوقوع خطأ
مؤسسة بلومسترفوندن، التي تدير دار المسنين، قالت إنها لا ترى أنها ارتكبت خطأ، وأحالت الأسئلة المتعلقة بالعلاج الطبي إلى شركة فاميلي ليكارنا.
أما الشركة الطبية فرفضت إجراء مقابلة مباشرة مع برنامج Uppdrag granskning، لكنها أرسلت ردًا مكتوبًا قالت فيه إن الرعاية التي حصلت عليها أولا-بريت كانت متوافقة مع العلم والخبرة الطبية المثبتة.
وأضافت أن الطبيب كان يعرف حالة المريضة جيدًا، واعتمد على تقييم الممرضات الموجودات في دار الرعاية.
وأشارت كذلك إلى أن طبيب المستشفى كان قد اعتبر أولا-بريت في مرحلة تلطيفية متقدمة، وأن المرضى في الرعاية التلطيفية قد يكونون مستيقظين ويأكلون ويشربون، ومع ذلك قد يحتاج بعضهم إلى دواء روبينول.
ومع رفض الجهتين الاعتراف بوقوع خطأ، أعلنت كل من بلومسترفوندن وفاميلي ليكارنا لاحقًا بدء تحقيقات داخلية حول الرعاية التي قُدمت لأولا-بريت.
تحسنت بعد العلاج… ثم توفيت لاحقًا
بعد حصولها على المضادات الحيوية وتصريف السوائل من رئتها، تحسنت حالة أولا-بريت وتمكنت من مواصلة حياتها. انتقلت بعد ذلك إلى دار مسنين أخرى واستمرت بنشاط وحيوية كبيرة إلى أن تعرضت لحالة مرضية جديدة وتوفت لاحقاً بعد أكثر من شهرين .
لا يذكر التحقيق أن وفاتها اللاحقة كانت نتيجة مباشرة للأدوية السابقة، لكنه يسلط الضوء على السؤال الأساسي: ماذا كان سيحدث لو لم تعترض حفيدتها على القرار، ولم تطلب نقلها إلى المستشفى؟ حيث كانت ستموت ببطئ خلال ساعات!!
قصة أولا-بريت لا تتعلق فقط بسيدة مسنة وعائلتها، بل تفتح نقاشًا واسعًا عن الرعاية الصحية في السويد (svensk sjukvård)، ودور المسنين (äldreboenden)، وضغط العمل على الأطباء، وحدود استخدام أدوية الرعاية التلطيفية (palliativ vård). كما تُظهر أهمية وجود أحد أفراد الأسرة بالقرب من المريض، ومتابعة حالته، وطلب تقييم طبي جديد عندما لا تتوافق القرارات المتخذة مع ما تراه العائلة أمامها.









