
“محمد” ولُد في السويد وحمل الجواز السويدي.. وأكتشف الآن أنه بلا جنسية ..والسبب؟
وُلد في السويد وحمل جوازها..
قصة غير معتادة في السويد: شاب وُلد في مستشفى سويدي، وحصل على برشونمبر سويدي وجواز سفر سويدي، وعاش طوال حياته باعتباره مواطنًا سويديًا، بل وصوّت في انتخابات البرلمان أكثر من مرة. وبعد 26 عامًا أبلغته السلطات بأن كل ذلك بدأ بخطأ في تسجيله عند الولادة، وأنه من الناحية القانونية لم يحصل أصلًا على الجنسية السويدية بالطريقة الصحيحة.
إنه الشاب محمد حسين، البالغ من العمر 26 عامًا والمقيم في مدينة Karlskoga، والذي وجد نفسه فجأة أمام واحدة من أغرب المشكلات الإدارية التي يمكن أن يواجهها شخص عاش حياته كاملة في السويد.
محمد لم يكن يعتقد فقط أنه مواطن سويدي، بل كانت وثائق الدولة نفسها تتعامل معه على هذا الأساس طوال 26 عامًا.
محمد لديه رقم شخصي سويدي personnummer، وحصل على جواز سفر سويدي وقام بتجديده عدة مرات، كما أُدرج في سجلات الناخبين وشارك في عدة انتخابات برلمانية سويدية. لكن في ربيع هذا العام وصلته رسالة قلبت حياته رأسًا على عقب. أبلغته مصلحة الضرائب السويدية Skatteverket بأن تسجيله كمواطن سويدي منذ ولادته كان خاطئًا. وقال محمد عن اللحظة التي تلقى فيها الخبر: «أصبت بالصدمة، لم أفهم شيئًا».
خطأ بدأ لحظة ولادته!
وُلد محمد في مستشفى Karlskoga في السويد قبل نحو 26 عامًا، وكان والداه في ذلك الوقت عراقيين ولم يكونا قد حصلا بعد على الجنسية السويدية.وهنا توجد نقطة قانونية مهمة للغاية لفهم القضية. فالولادة داخل الأراضي السويدية لا تعني في حد ذاتها الحصول تلقائيًا على الجنسية السويدية.

وعندما وُلد محمد، كان قانون الجنسية السويدي الصادر عام 1950 لا يزال ساريًا. ووفق القواعد التي كانت مطبقة آنذاك، لم يكن مجرد ميلاد طفل في مستشفى داخل السويد كافيًا لجعله مواطنًا سويديًا.
وبما أن والدي محمد، وفق المعلومات المنشورة عن القضية، كانا عراقيين عند ولادته، فإن تسجيله منذ البداية باعتباره مواطنًا سويديًا كان هو الخطأ الأساسي الذي بدأت منه المشكلة.
المشكلة الأكبر: الخطأ لم يُكتشف طوال 26 عامًا
الأكثر إثارة في القضية ليس وقوع خطأ إداري عند تسجيل طفل حديث الولادة فقط، وإنما أن هذا الخطأ استمر لسنوات طويلة وانتقل عمليًا بين أنظمة وجهات رسمية مختلفة دون اكتشافه.
فعندما تقدم والدا محمد لاحقًا للحصول على الجنسية السويدية وحصلا عليها، كان من الطبيعي أن يُطرح وضع ابنهما أيضًا.
لكن الأسرة أُبلغت، بحسب رواية القضية، بأنه ليست هناك حاجة إلى تقديم طلب جنسية لمحمد، لأنه مسجل بالفعل لدى Skatteverket باعتباره مواطنًا سويديًا. وهكذا أصبحت المعلومة الخاطئة الموجودة في السجل سببًا في عدم تقديم طلب منفصل له عندما حصل والداه على الجنسية.
بمعنى آخر: الخطأ الأول ساهم في منع تصحيح الخطأ نفسه في مرحلة لاحقة. مرت السنوات، وكبر محمد وهو مقتنع تمامًا بأنه مواطن سويدي، ولم يكن لديه سبب واضح يدفعه إلى الاعتقاد بعكس ذلك.
حصل على جواز سفر سويدي.. أكثر من مرة
هذه النقطة تجعل القضية أكثر تعقيدًا. محمد لم يكن يحمل فقط personnummer سويديًا، وإنما حصل أيضًا على جواز سفر سويدي وقام بتجديده عدة مرات. والقانون السويدي واضح من حيث المبدأ: جواز السفر السويدي العادي مخصص للمواطنين السويديين.
وتوضح الشرطة السويدية أن الشخص يجب أن يكون مواطنًا سويديًا للحصول على جواز سفر سويدي أو بطاقة هوية وطنية سويدية nationellt id-kort.

كما ينص قانون الجوازات السويدي على أن طالب الجواز ملزم بإثبات هويته وجنسيته السويدية وبياناته الشخصية. ومع ذلك، مر محمد بهذه الإجراءات عدة مرات دون اكتشاف أن الأساس الذي بُني عليه تسجيل جنسيته كان خاطئًا منذ ولادته.
وهذا يوضح مدى أهمية البيانات الموجودة في سجل السكان folkbokföringen، لأن بيانات الجنسية المسجلة لدى Skatteverket تنتقل وتُستخدم داخل أجزاء مختلفة من الإدارة السويدية.
وصوّت أيضًا في انتخابات البرلمان
الأمر لم يتوقف عند الجواز. محمد يقول إنه شارك في عدة انتخابات برلمانية سويدية riksdagsval. وهذه نقطة مهمة لأن التصويت في انتخابات البرلمان السويدي يختلف عن الانتخابات البلدية.
فوفق قواعد هيئة الانتخابات السويدية Valmyndigheten، يشترط للتصويت في انتخابات البرلمان أن يكون الشخص قد بلغ 18 عامًا وأن يكون مواطنًا سويديًا وأن يكون مسجلًا أو سبق تسجيله في السويد.
أما الأجانب المقيمون في السويد فقد يكون لهم، وفق شروط محددة، حق التصويت في انتخابات البلديات والمناطق، لكن ذلك لا يمنحهم حق التصويت في انتخابات البرلمان.
وبالتالي، إذا كان محمد قد أُدرج في سجل الناخبين للانتخابات البرلمانية وصوّت بالفعل كما ورد في القضية، فهذا يعني أن المعلومة المسجلة عنه باعتباره مواطنًا سويديًا استمرت آثارها حتى النظام الانتخابي.
رسالة واحدة غيّرت كل شيء
بعد أكثر من ربع قرن، اكتُشف الخطأ. أبلغت Skatteverket محمد بأنه سُجل خطأ باعتباره مواطنًا سويديًا عند ولادته.
وبدل أن تكون المسألة مجرد تصحيح إداري بسيط يعيد له الوضع الذي عاش عليه طوال حياته، وجد محمد نفسه مضطرًا إلى الدخول في إجراءات لدى Migrationsverket للحصول على الجنسية السويدية التي كان يعتقد أنه يمتلكها أصلًا.
ويقول محمد إن القضية أثرت عليه نفسيًا بشكل كبير: «هذا جعلني أشعر بسوء شديد فعلًا. أنا متوتر طوال الوقت، كل يوم».

لماذا لا تعتبره السلطات سويديًا رغم الجواز والتسجيل؟
هنا يوجد الفرق القانوني المهم بين تسجيل الجنسية وبين اكتساب الجنسية قانونيًا.
Skatteverket تسجل معلومات الجنسية ضمن بيانات الشخص في نظام السكان، لكنها ليست مجرد كتابة في قاعدة البيانات هي التي تنشئ الجنسية في كل الحالات.
الجنسية السويدية تُكتسب وفق الحالات التي يحددها قانون الجنسية، مثل اكتسابها عند الولادة عندما تتحقق الشروط القانونية، أو من خلال التبني في حالات معينة، أو بقرار بعد طلب أو إخطار وفق القواعد القانونية.
ولهذا فإن موقف السلطات في حالة محمد هو، وفق ما أوضحته مسؤولة في Migrationsverket، أن التسجيل الخاطئ لا يعني أنه أصبح مواطنًا سويديًا قانونيًا لمجرد أن السجل ظل يقول ذلك طوال هذه السنوات.
وتقول Anne-Christine Petersson، وهي مسؤولة اتخاذ قرار في Migrationsverket، إن طريقة تعامل المصلحة مع الحالة تعني أن محمد لم يكن يمتلك الجنسية قانونيًا رغم أن الظروف جعلته يعتقد أنه يمتلكها.
ولذلك عليه الآن التقدم للحصول عليها.
هل تضمن له السلطات الحصول على الجنسية الآن؟
المفاجأة الأخرى أن Migrationsverket لم تقدم لمحمد ضمانًا مسبقًا بالحصول على الجنسية.
وعندما سُئلت Anne-Christine Petersson عن ذلك، أكدت أن طلبه سيخضع للفحص، وأن المصلحة لا تستطيع إعطاء قرار مسبق بشأن النتيجة. وفي الوقت نفسه قالت إن القضية ستتم معالجتها بسرعة. لكن محمد يقول إن ما يقارب نصف عام مر بالفعل دون أن يحصل على جواب نهائي.
ويزداد الأمر حساسية لأن شروط الحصول على الجنسية السويدية شهدت تغييرات وتشديدات قانونية خلال 2026، ولذلك فإن الأساس القانوني والتوقيت الذي يُعالج وفقه طلب محمد مسألة مهمة في تقييم حالته، ولا يمكن افتراض نتيجة الطلب قبل صدور قرار Migrationsverket.
من المسؤول عن الخطأ؟
بحسب المعلومات المنشورة عن القضية، بدأ الخطأ لدى Skatteverket عندما سُجل محمد عند ولادته باعتباره سويديًا.
لكن السؤال الآخر هو: لماذا لم يكتشف Migrationsverket المشكلة عندما تقدم والداه للحصول على الجنسية في بداية الألفية؟ Anne-Christine Petersson ترفض اعتبار ذلك تقصيرًا من جانب Migrationsverket.
وتوضح أن المصلحة تعتمد على المعلومات التي تحصل عليها من Skatteverket ولا يمكنها ببساطة التشكيك في كل تسجيل موجود لديها. وهذا تحديدًا ما يجعل القضية مثيرة للاهتمام: بيان واحد خاطئ في سجل أساسي للدولة ظل يُعامل باعتباره صحيحًا، ثم بُنيت عليه إجراءات أخرى لسنوات طويلة.
محمد ليس الحالة الوحيدة
والأخطر أن قضية محمد ليست حالة منفردة تمامًا. فوفق المعلومات التي كشفت عنها TV4، يقوم Migrationsverket حاليًا بعملية خاصة لمراجعة سجلاته، وظهرت خلال هذه المراجعة ما لا يقل عن نحو 30 حالة مشابهة تتعلق باشتباه في وجود أخطاء بين بيانات Migrationsverket وSkatteverket.
وهذا يحول قضية محمد من قصة فردية غريبة إلى مشكلة أوسع تتعلق بدقة البيانات التي تعتمد عليها السلطات السويدية في تحديد وضع الأشخاص القانوني.
Skatteverket نفسها توضح أن سجل السكان هو التسجيل الأساسي للسكان في السويد، وأن الجنسية واحدة من البيانات التي تسجل فيه إلى جانب الرقم الشخصي والاسم ومكان الميلاد والحالة الاجتماعية والعلاقات الأسرية وغيرها.
كما أن هذه البيانات تُستخدم وتنتقل إلى جهات مختلفة في المجتمع.
لذلك فإن تسجيل الجنسية بصورة خاطئة يمكن أن تكون له آثار تتجاوز بكثير مجرد وجود كلمة «سويدي» أو «عراقي» في قاعدة بيانات.
هل محمد أصبح «عديم الجنسية»؟
من المهم هنا التفريق بين أمرين. الخبر يؤكد أن السلطات تعتبر أن محمد لا يمتلك الجنسية السويدية التي اعتقد طوال حياته أنه يحملها.
لكن هذا لا يكفي وحده للجزم بأنه أصبح قانونيًا عديم الجنسية statslös، لأن ذلك يتطلب تحديد ما إذا كان يمتلك الجنسية العراقية أو أي جنسية أخرى وفق قانون الدولة المعنية.
لذلك فالوصف الأكثر دقة في الوقت الحالي هو أن محمد اكتشف أنه ليس مواطنًا سويديًا قانونيًا وفق تقييم السلطات الحالي، رغم أنه عاش 26 عامًا مسجلًا ومُعاملًا على أنه مواطن سويدي.
«هذا هو بلدي»
بالنسبة لمحمد، القضية ليست مجرد ملف إداري أو نقاش قانوني حول قاعدة بيانات. هو وُلد في السويد، وعاش فيها طوال حياته، وحمل جوازها، وصوّت في انتخاباتها، وتعاملت معه مؤسسات الدولة طوال 26 عامًا باعتباره واحدًا من مواطنيها.
واليوم ينتظر قرارًا يخبره رسميًا بما إذا كان سيحصل على الجنسية التي عاش حياته كلها معتقدًا أنها كانت موجودة بالفعل.
ويقول: «أنا قلق كل يوم. لست مجرمًا وليس لدي شيء في سجلي، لكنك لا تعرف أبدًا. ماذا لو لم يمنحوني إياها رغم ذلك؟ يجب أن يكون لدي بلد على الأقل، وهذا هو بلدي. لقد عشت هنا طوال حياتي ولا أفكر في الانتقال من هنا».
قضية محمد تكشف بذلك مفارقة نادرة: الدولة منحته طوال حياته الوثائق والحقوق التي أكدت له أنه مواطن سويدي، ثم اكتشفت بعد 26 عامًا أن المعلومة التي بُني عليها كل ذلك كانت خاطئة منذ يوم ولادته.









