آخر الأخبارمقالات رأي

مسلمين في السويد لن يصوتوا في انتخابات 2026… قرار عقائدي لا كسل سياسي!

في النقاش السويدي المعتاد عن الانتخابات السويدية، تُفسَّر قلة مشاركة بعض المهاجرين غالبًا بكلمات جاهزة: ضعف الاندماج، قلة الاهتمام، غياب المعرفة باللغة، أو عدم فهم النظام السياسي. لكن هناك سببًا آخر لا يُناقش كثيرًا، رغم أنه موجود داخل بعض البيئات المحافظة دينيًا: هناك مهاجرون يملكون حق التصويت، لكنهم يرفضون استخدامه عن قصد، لا لأنهم كسالى، ولا لأن السياسة لا تهمهم، بل لأن لديهم قناعة دينية أو مبدئية تجعل التصويت لحزب سويدي نوعًا من المشاركة في نظام أو أفكار لا يؤمنون بها.

هذه ليست الفئة الأكبر بين المسلمين أو أصحاب الأصول المهاجرة في السويد، ولا يجوز تصويرها كأنها تمثل الجميع. لكنها فئة موجودة، وتأثيرها قد يصبح مهمًا في انتخابات متقاربة، خصوصًا عندما تكون أصوات المولودين خارج السويد تميل غالبًا إلى أحزاب المعارضة الحمراء والخضراء أكثر من أحزاب اليمين المحافظ والمتشدد في قضايا الهجرة.




الامتناع العقائدي: صوت غائب عن قصد

هناك فرق كبير بين شخص لا يصوت لأنه لا يعرف أين مركز التصويت، أو لأنه لا يتابع السياسة، وبين شخص لا يصوت لأنه يرى أن التصويت نفسه مشكلة دينية أو مبدئية.

بعض المسلمين المحافظين في السويد ينظرون إلى الأحزاب السويدية باعتبارها أحزابًا علمانية تدافع، بدرجات مختلفة، عن أفكار لا يقبلونها دينيًا، مثل حقوق المثليين، حرية المرأة في جسدها، قوانين الأسرة الحديثة، التعليم الجنسي في المدارس، أو فكرة أن البرلمان يسن قوانين بشرية لا تستند إلى الشريعة. ومن هذا المنطلق، يرى البعض أن إعطاء صوته لأي حزب هو مشاركة في دعم منظومة فكرية لا يوافق عليها، وهو رأي له جذور دينية وعلماء ومرجعيات دينية تؤيده مثل السلفية غابلاً وغيرهم.

هذا التفكير لا يعني بالضرورة عداءً للسويد، ولا يعني أن كل من يتبناه متطرف. عند بعض الأشخاص هو موقف ديني محافظ تقليدي،  وعند آخرين هو خليط من عزلة اجتماعية، وخطاب ديني مغلق، وشعور بأن كل الأحزاب السويدية لا تمثلهم. لكن النتيجة واحدة: الصوت لا يذهب إلى صندوق الاقتراع.



لكن هذا ليس الرأي الإسلامي الوحيد!

المهم هنا أن هذا الرأي ليس هو الموقف الوحيد داخل الفقه الإسلامي، ولا هو الرأي السائد بين كل المسلمين في الغرب. هناك علماء ومرجعيات إسلامية كثيرة ترى أن مشاركة المسلمين في انتخابات الدول غير الإسلامية ليست فقط جائزة، بل قد تكون ضرورية لحماية المصالح وتقليل الضرر في هو لصالحهم ، فالتصويت لإخراج اليمين المتطرف الذي يهدد بنزع الحجاب وغلق المساجد أمر مهم لجلب المنافع للمجتمع المسلم في السويد وصد المضار عن المجتمع المسلم.

هذا الاتجاه لا يقول إن المسلم يوافق على كل أفكار الحزب الذي يصوت له. بل يرى أن التصويت أداة مدنية لاختيار الأقل ضررًا أو الأكثر نفعًا في قضايا الحياة اليومية. فمن يصوت لحزب سويدي لا يوقّع على كل بند في برنامجه، ولا يتحول إلى تابع أيديولوجي له، بل يختار بين بدائل سياسية موجودة بالفعل وستحكمه سواء شارك أو امتنع.




بهذا المعنى، التصويت ليس شهادة دينية على نقاء الحزب، بل قرار عملي يتعلق بالمصلحة العامة: من سيؤثر على قوانين الهجرة migrationspolitik؟ من سيحدد شروط الجنسية medborgarskap؟ من سيغير قواعد لمّ الشمل anhöriginvandring؟ من سيقرر ميزانية المدارس والرعاية والعمل والسكن؟ ومن سيضع سياسة التعامل مع الأحياء التي يعيش فيها كثير من المهاجرين؟

هنا يظهر الخلاف الحقيقي: هل المشاركة السياسية تعني قبولًا كاملًا بالنظام؟ أم أنها وسيلة لتقليل الضرر وحماية الحقوق داخل واقع لا تستطيع تغييره بالانسحاب؟

عندما يتحول الامتناع إلى خسارة سياسية

في السياسة، الصوت الذي لا يُستخدم لا يبقى محايدًا تمامًا. الامتناع لا يمنع الأحزاب من الحكم، ولا يوقف القوانين، ولا يحمي العائلة من قرارات تمس الهجرة أو السكن أو العمل أو التعليم. بل يحدث العكس: من لا يصوت يترك الآخرين يقررون عنه.

وهذه النقطة مهمة جدًا في السويد، لأن انتخابات 2022 كانت شديدة التقارب. الفارق بين الكتلتين كان محدودًا، وأحزاب تيدو Tidöpartierna استطاعت تشكيل السلطة بدعم من Sverigedemokraterna. في مثل هذا المناخ، كل صوت غائب قد يكون له معنى، خصوصًا في المناطق التي تضم نسبة كبيرة من الناخبين ذوي الأصول المهاجرة.




المفارقة أن جزءًا من الممتنعين لأسباب دينية أو مبدئية قد يكونون، لو شاركوا، أقرب اجتماعيًا واقتصاديًا إلى أحزاب اليسار والاشتراكيين والخضر. ليس بالضرورة لأنهم يؤمنون بكل أفكار هذه الأحزاب، بل لأنهم قد يرفضون سياسات التشدد ضد الهجرة، ويريدون حماية أكبر في قضايا العمل jobb، السكن bostad، الرعاية الصحية vård، التأمينات försäkring، ودعم الأسر barnfamiljer.

لكن عندما يمتنعون، فإن غيابهم لا يُقرأ كرسالة دينية أو فكرية داخل البرلمان. لا أحد يحسبه احتجاجًا عقائديًا. سياسيًا، يُحسب فقط كعدم مشاركة.

حزب نيانس: جذب الأصوات أم تفتيت الكتلة؟

بعد انتخابات 2022، ظهر اسم حزب نيانس Partiet Nyans كحالة سياسية لافتة. الحزب لم يدخل البرلمان، لكنه حصل على أصوات واضحة في بعض المناطق ذات الكثافة المهاجرة، وكان أكبر حزب بين الأحزاب التي بقيت تحت العتبة البرلمانية.




بالنسبة لبعض الناخبين، قدّم نيانس شيئًا لم تقدمه الأحزاب الكبرى: خطابًا يتحدث مباشرة إلى المسلمين والمهاجرين، وإلى قضايا مثل الإسلاموفوبيا، حرق القرآن، انتقادات السوسيال، والشعور بأن الأحزاب الكبرى لا تسمع أصوات الضواحي.

لكن المشكلة أن هذه الأحزاب الصغيرة تفتح بابًا وتغلق آخر. هي قد تجذب شخصًا كان سيمتنع عن التصويت تمامًا، وهذا مكسب من زاوية المشاركة السياسية. لكنها في الوقت نفسه قد تسحب أصواتًا من الكتلة التي كانت غالبًا ستذهب إلى الأحزاب الحمراء والخضراء، دون أن تكون هذه الأحزاب الصغيرة قادرة على دخول البرلمان. هنا تتحول الأصوات إلى قوة رمزية، لكنها لا تتحول إلى مقاعد ولا إلى تأثير مباشر في تشكيل الحكومة.




وهذا هو السؤال الصعب: هل الأحزاب الصغيرة ذات الخلفية المهاجرة تمثل صوتًا جديدًا ضروريًا؟ أم أنها تفتت الكتلة الانتخابية التي يمكن أن توقف السياسات الأكثر تشددًا ضد المهاجرين؟

الإجابة ليست بسيطة. إذا كان الناخب سيبقى في البيت، فذهابه إلى حزب صغير أفضل من غيابه الكامل. لكن إذا كان سيصوت لحزب قادر على دخول البرلمان، ثم تحول إلى حزب لا يستطيع تجاوز العتبة، فهنا تصبح المسألة خسارة سياسية عملية، حتى لو كانت مكسبًا معنويًا.



وماذا عن الأحزاب الجديدة؟

ظهرت في السنوات الأخيرة محاولات أو دعوات لتأسيس أحزاب جديدة تتحدث باسم العدالة، فلسطين، المهاجرين، أو الفئات التي تشعر أن الأحزاب التقليدية لم تعد تمثلها. لكن ليس كل مشروع جديد يتحول إلى قوة انتخابية حقيقية. بعض المبادرات تولد إعلاميًا ثم تتراجع تنظيميًا، وبعضها لا يدخل الانتخابات أصلًا، وبعضها يبقى محصورًا في نطاق محلي.

لذلك، الناخب الذي يمتنع لأسباب دينية قد يجد في حزب صغير مخرجًا نفسيًا: “لن أصوت للأحزاب العلمانية الكبرى، لكنني سأصوت لحزب أقرب لهويتي”. غير أن السؤال العملي يبقى: هل هذا الحزب قادر على تحويل الصوت إلى مقعد؟ هل لديه برنامج شامل حول الاقتصاد ekonomi، السكن bostadsmarknad، الضرائب skatt، التعليم utbildning، والرعاية vård؟ أم أنه فقط حزب احتجاجي حول الهوية؟

في الانتخابات لا تكفي النية. السياسة تحسب المقاعد، لا المشاعر.



هل يمكن إقناع هذه الفئة بالتصويت؟

هذه الفئة ليست واحدة. يمكن تقسيمها إلى ثلاث مجموعات.

الأولى مقتنعة تمامًا بأن التصويت حرام أو مرفوض، وهذه غالبًا ستبقى ممتنعة مهما اشتد الصراع الانتخابي. مخاطبة هذه المجموعة بلغة حزبية مباشرة لن تنجح كثيرًا، لأنها لا ترى المشكلة في حزب بعينه بل في النظام كله.

الثانية مترددة. لديها تحفظ ديني، لكنها ليست مغلقة. هذه المجموعة يمكن أن تتغير إذا وصلها خطاب واضح يقول إن التصويت ليس موافقة على كل شيء، بل اختيار لتقليل الضرر وحماية المصالح. هذه الفئة تحتاج إلى نقاش من داخل البيئة نفسها: أئمة، مثقفون مسلمون، ناشطون، عائلات، ومؤسسات مجتمع مدني.

الثالثة لا ترفض التصويت دينيًا بشكل مطلق، لكنها لا تجد حزبًا تثق به. هذه قد تنجذب لحزب صغير مثل نيانس، أو قد تعود إلى الأحزاب الكبرى إذا شعرت أن صوتها محترم، وأن قضاياها لا تُستخدم فقط وقت الانتخابات.



المشكلة المسكوت عنها

القضية ليست أن المسلمين لا يصوتون. كثير من المسلمين في السويد يصوتون، ويترشحون، وينشطون في الأحزاب، ويعملون داخل البلديات والنقابات والجمعيات. المشكلة أن هناك فئة صامتة لا تظهر في التحليلات التقليدية: فئة تمتنع عن التصويت بقرار مبدئي، ثم تختفي من الحساب السياسي.

هذه الفئة لا تظهر في استطلاعات الرأي بوصفها “تصويتًا دينيًا ممتنعًا”. تظهر فقط كجزء من انخفاض المشاركة بين المولودين خارج السويد. لذلك تبقى المشكلة بلا اسم واضح. وعندما لا يكون للمشكلة اسم، لا يتعامل معها أحد بجدية.

الأحزاب الكبرى أيضًا تتحمل جزءًا من المسؤولية. فهي غالبًا تخاطب الناخب المهاجر إما كضحية تحتاج حماية، أو كمشكلة تحتاج ضبطًا، أو ككتلة انتخابية تُستدعى عند الحاجة. لكنها نادرًا ما تخاطبه كناخب معقد: متدين أحيانًا، محافظ اجتماعيًا أحيانًا، يساري اقتصاديًا أحيانًا، غاضب من العنصرية، لكنه غير مرتاح لبعض أجندات اليسار الثقافية.

هذا التعقيد هو ما تفشل السياسة السويدية في فهمه.



الخلاصة: الصوت الغائب لا يحمي صاحبه!

في انتخابات سبتمبر 2026، لن يكون الامتناع الديني عن التصويت ظاهرة ضخمة يمكن قياسها بسهولة، لكنه قد يكون مؤثرًا في مناطق محددة وبين فئات محددة، خصوصًا إذا كانت المنافسة متقاربة.

الناخب الذي يرفض التصويت لأنه لا يجد حزبًا كاملًا يشبه قناعاته سيظل ينتظر طويلًا؛ فالسياسة لا تقدم أحزابًا مثالية حتى في الدول الإسلامية نفسها، بل بدائل ناقصة. والسؤال الواقعي ليس: أي حزب يمثلني بالكامل؟ بل: أي خيار يقلل الضرر ويحمي مساحة أفضل لي ولأولادي ولمجتمعي وثقافتي الإسلامية الخاصة؟

أما الأحزاب الصغيرة ذات الخلفية المهاجرة أو الإسلامية، فهي قد تمنح بعض الناس شعورًا بالتمثيل، لكنها قد تسحب أيضًا أصواتًا من أحزاب قادرة فعلًا على التأثير داخل البرلمان، لنجد حزب مثل سفاريا دجيمقارطنا يقود السويد ويدعو لنزع الحجاب وغلق المساجد. لذلك، فإن التصويت لها قد يكون رسالة احتجاج، لكنه ليس دائمًا استراتيجية رابحة صحيحة.

المشكلة الحقيقية أن آلاف الأصوات قد تضيع بين الامتناع العقائدي، والاحتجاج الرمزي، وانعدام الثقة في الأحزاب الكبرى. وفي النهاية، من لا يصوت لا يوقف القوانين التي لا تعجبه، ولا يمنع السياسات التي يخاف منها. هو فقط يترك لغيره فرصة أن يقرر عنه والمشكلة أن يكون القرارات صعبة. إن أردت الامتناع فهو حقك وإن أردت التصويت في حقك وحق المجتمع الذي تعيش فيه عليك..وانت صاحب القرار..



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى