
رسالة للأحزاب المعارضة السويدية: مهاجرون السويد ليسوا جمهورًا مضمونًا لكم
في انتخابات السويد المقبلة يوم 13 سبتمبر 2026، لن يكون السؤال فقط: من يتقدم في استطلاعات الرأي؟ بل من سيذهب فعلًا إلى صناديق الاقتراع؟
فهناك رقم سياسي يتكرر بهدوء في خلفية المشهد الانتخابي: الناخبون من أصول مهاجرة، وخاصة المولودون خارج السويد، لم يعودوا مجرد فئة اجتماعية تُذكر في ملفات الهجرة والاندماج، بل أصبحوا كتلة انتخابية قادرة على ترجيح كفة الحكم، خصوصًا إذا كان الفارق بين المعسكرين محدودًا فالسويديين منقسمون بالفعل بين دعم اليسار واليمين.. وهنا يظهر كتلة الأصول المهاجرة لترجيح فريق ضد أخر!! وغالباً صوت الأصول المهاجرة يذهب لكتلة اليسار والاشتراكي.
أحدث بيانات هيئة الإحصاء السويدية SCB حول تعاطف الأحزاب، المنشورة في يونيو 2026، تكشف أن الأصول المهاجرة المولودين خارج السويد يميلون بوضوح أكبر إلى الأحزاب الحمراء والخضراء مقارنة بالمولودين داخل السويد. لكن الصورة ليست بسيطة كما يعتقد البعض؛ فهذه الفئة لا تصوت ككتلة واحدة، ولا يمكن اختصارها في حزب أو اتجاه سياسي واحد.
وفق أرقام SCB، يحتل الحزب الاشتراكي الديمقراطي Socialdemokraterna – S المركز الأول بين الأصول المهاجرة المولودين خارج السويد بنسبة 46.6 بالمئة في مقياس التعاطف الحزبي. هذه النسبة أعلى بكثير من دعمه بين المولودين داخل السويد، حيث يحصل على 31.2 بالمئة.
ويأتي حزب اليسار Vänsterpartiet – V في موقع متقدم أيضًا بين المولودين خارج السويد بنسبة 12.6 بالمئة، مقابل 8.0 بالمئة بين المولودين داخل البلاد. وهذا يعني أن حزبين من المعسكر الأحمر والأخضر يملكان قاعدة أقوى بوضوح داخل شريحة المولودين في الخارج.
أما حزب البيئة Miljöpartiet – MP، فيحصل على 6.2 بالمئة بين المولودين خارج السويد و6.3 بالمئة بين المولودين داخلها، أي أن الفارق هنا محدود ولا يمكن اعتباره تحولًا واضحًا لصالح فئة دون أخرى.
المفاجأة: SD المعادي لمجتمع المهاجرين ، هو ثالث حزب يدعمه الأصول المهاجرة.. المولودين خارج السويد
اللافت في الأرقام أن حزب ديمقراطيي السويد Sverigedemokraterna – SD، المعروف بخطابه المتشدد في قضايا الهجرة والاندماج والمتشدد ضد مجتمع المهاجرين وثقافتهم، يأتي ثالثًا بين المولودين خارج السويد بنسبة 12.1 بالمئة، متقدمًا قليلًا على حزب المحافظين Moderaterna – M الذي يحصل على 11.0 بالمئة.
هذه النتيجة تكسر الفكرة التقليدية التي تقول إن كل من له خلفية مهاجرة يرفض تلقائيًا حزب SD. فجزء من المولودين خارج السويد يبدو أنه يتعامل مع السياسة من زاوية الأمن، الضرائب skatt، سوق العمل arbetsmarknad، السكن bostad، قروض السكن bolån، المدارس skola، والرعاية vård، لا من زاوية الهجرة فقط.
لكن هذا لا يغير المعادلة الكبرى: الأغلبية الواضحة بين المولودين خارج السويد تميل إلى اليسار والوسط، وليس إلى أحزاب اتفاق تيدو Tidöpartierna.
لماذا قد تكون هذه الكتلة حاسمة؟
في انتخابات 2022، كان الفارق بين المعسكرين ضيقًا جدًا. وفي انتخابات 2026، رغم أن استطلاعات SCB تمنح المعارضة تقدمًا واضحًا في هذه المرحلة، فإن السياسة السويدية لا تُحسم بالاستطلاعات وحدها، بل بنسبة المشاركة، وحركة الناخبين المترددين، وقدرة الأحزاب على تعبئة جمهورها في الأسابيع الأخيرة.
هنا تظهر أهمية المولودين خارج السويد وذوي الخلفية الأجنبية. فلو شاركوا بكثافة، فإن ميلهم العام نحو الاشتراكيين واليسار قد يعزز فرص المعارضة. أما إذا بقيت نسبة المشاركة بينهم منخفضة، فقد يخسر المعسكر الأحمر والأخضر جزءًا من قوته النظرية على الورق.
بمعنى آخر: أرقام التعاطف الحزبي تقول شيئًا، وصناديق الاقتراع قد تقول شيئًا آخر. القوة الانتخابية لا تُقاس فقط بعدد المؤيدين، بل بعدد الذين يصوتون فعلًا.
الامتناع عن التصويت هو الرقم الأخطر
الرقم الذي يجب التوقف عنده ليس فقط: لمن يصوت المهاجرون؟ بل: كم منهم سيصوتون أصلًا؟
في انتخابات سابقة، كان الإقبال على التصويت بين المولودين خارج السويد أقل من المولودين داخلها. وهذا يعني أن هناك قوة انتخابية غير مستغلة بالكامل. إذا نجحت الأحزاب في الوصول إلى هذه الفئة، بلغات واضحة، وخطاب عملي، ورسائل مرتبطة بالحياة اليومية، فإن النتيجة قد تتغير في عدد من الدوائر والبلديات.
القضية هنا ليست الهوية فقط، بل الثقة. كثير من الناخبين من أصول مهاجرة يتابعون السياسة من بعيد، أو يشعرون أن الأحزاب تتحدث عنهم لا معهم. وعندما يشعر الناخب أن السياسة لا تمس حياته، فإن بطاقة التصويت تبقى في المنزل، حتى لو كان يملك حق التصويت.
ما الذي يهم الناخب من أصول مهاجرة؟
الخطأ الذي تقع فيه بعض الأحزاب هو اختزال هذه الفئة في سؤال الهجرة migrationspolitik فقط. صحيح أن قضايا الإقامة، الجنسية medborgarskap، لمّ الشمل anhöriginvandring، ومتطلبات اللغة språktest مهمة جدًا، لكنها ليست وحدها التي تحدد التصويت.
الناخب من أصول مهاجرة يعيش نفس القلق اليومي الذي يعيشه أي شخص في السويد: الإيجار hyra، أسعار الطعام matpriser، الكهرباء elavtal، العمل jobb، الضرائب skatt، التأمينات försäkring، الرعاية الصحية vårdcentral، المدارس، القروض، السكن، وغلاء المعيشة.
ومن هنا، فإن الحزب الذي يريد كسب هذه الأصوات لا يكفي أن يتحدث بلغة أخلاقية عن التنوع، ولا يكفي أن يتشدد في ملف الهجرة، بل يجب أن يقدم إجابات عملية عن الحياة اليومية.
رسالة للأحزاب: مهاجرون السويد ليسوا جمهورًا مضمونًا
الأرقام تمنح الاشتراكيين واليسار أفضلية واضحة بين المولودين خارج السويد، لكنها لا تمنحهم ضمانًا أبديًا. فوجود SD في المركز الثالث بين هذه الفئة يعني أن جزءًا من الناخبين ذوي الخلفية المهاجرة مستعد للتصويت خارج النمط التقليدي إذا وجد خطابًا يتوافق مع مخاوفه أو مصالحه… كما أن الأصول المهاجرة الأكثر كسلاً وعدم التصويت والمشاركة بالانتخابات لأسباب عديدة. بل أن بعضهم يذهب للتصويت لصالح حزب نيانس ذات الخلفية الإسلامية المهاجرة.
وفي المقابل، يبدو أن اليمين التقليدي، وخاصة Moderaterna، لم ينجح حتى الآن في تحويل قوته الاقتصادية وخطابه حول العمل والضرائب إلى جاذبية قوية بين المولودين خارج السويد. وهذا ضعف سياسي مهم، لأن أي حزب يريد حكم السويد على المدى الطويل لا يستطيع تجاهل واحدة من أسرع الكتل الانتخابية نموًا وتأثيرًا.
انتخابات السويد 2026 قد لا تُحسم فقط في المناظرات التلفزيونية أو بين قادة الأحزاب في ستوكهولم. قد تُحسم أيضًا في أحياء مالمو وغوتنبرغ وستوكهولم، وفي المدن المتوسطة، وبين ناخبين يحملون خلفيات مختلفة لكنهم يواجهون أسئلة واحدة: كيف أعيش؟ كيف أعمل؟ كيف أسكن؟ وكيف أضمن مستقبل أولادي؟
الأرقام تقول إن المولودين خارج السويد يميلون بقوة إلى الاشتراكيين واليسار، لكنها تقول أيضًا إن هذه الفئة كتلة صامتة ولا مضمونة. إنها كتلة سياسية متنوعة، فيها من يصوت يسارًا، وفيها من يقترب من SD، وفيها من يعطي صوت لحزب معمور مثل نيانس .. وفيها من لا يصوت أصلًا.
ولهذا، فإن الجملة الأدق ليست أن “المهاجرين مهمين في الانتخابات” ، غير غير دقيقة بل أن أصواتهم قد تكون فوضوية في انتخابات 2026 ، خصوصا وأن خطاب اليسار يبتعد عن دعم قضايا الأصول المهاجرة… الفارق الحاسم أن الانتخابات لا يحددها من يملك رأيًا فقط، بل من يذهب إلى صندوق الاقتراع ويضع صوته هناك.









