
بعد فشل أندرشون.. كريسترشون قد يقود محاولة تشكيل حكومة سويدية جديدة؟
بعد إعلان زعيمة الاشتراكيين الديمقراطيين ماجدلينا أندرشون Magdalena Andersson إنهاء مهمتها لاستطلاع إمكانية تشكيل حكومة سويدية جديدة، تعود عملية تشكيل الحكومة (regeringsbildning) مجددًا إلى رئيس البرلمان، لتبدأ مرحلة أخرى من المشاورات بين الأحزاب.
ومن بين الأسماء التي قد تظهر في المرحلة التالية رئيس الحكومة المنتهية ولايتها وزعيم حزب المحافظين Moderaterna أولف كريسترشون Ulf Kristersson، الذي يمتلك بالفعل تجربة تشكيل الحكومة السابقة وقيادة التعاون المعروف باسم اتفاق تيدو Tidöavtalet.
لكن هناك نقطة دستورية مهمة: انتقال مهمة الاستطلاع إلى كريسترشون ليس أمرًا تلقائيًا لمجرد أن المحافظين جاءوا في المركز الثاني في الانتخابات. رئيس البرلمان (talmannen) هو الذي يجري المشاورات مع قادة الأحزاب ويقرر الشخصية التي يرى أنها تمتلك فرصة للبحث عن قاعدة برلمانية تسمح بتشكيل حكومة.
ومع ذلك، فإن موقع كريسترشون كرئيس للحكومة المنتهية ولايتها وزعيم ثاني أكبر حزب في البرلمان يجعله أحد الأسماء الموجودة بقوة في الحسابات السياسية للمرحلة المقبلة.
الأرقام لا تمنح تيدو الأغلبية
المشكلة الأساسية أمام كريسترشون هي أن المعسكر الذي استندت إليه حكومته السابقة لم يعد يمتلك أغلبية المقاعد في البرلمان الجديد.
فوفقًا للنتائج النهائية لانتخابات البرلمان السويدي لعام 2026، حصل الاشتراكيون الديمقراطيون S على 99 مقعدًا، والمحافظون M على 70 مقعدًا، وسفاريا ديمقارطنا SD على 62 مقعدًا، وحزب اليسار V على 30 مقعدًا.
وحصل حزب الوسط C على 25 مقعدًا، بينما حصل حزب البيئة MP على 22 مقعدًا، والمسيحيون الديمقراطيون KD على 22 مقعدًا، والليبراليون L على 19 مقعدًا.
وبذلك تمتلك الأحزاب الأربعة التي قامت عليها قاعدة تيدو السابقة، وهي المحافظون وسفاريا ديمقارطنا والمسيحيون الديمقراطيون والليبراليون، 173 مقعدًا.
وفي الجانب الآخر، يمتلك الاشتراكيون الديمقراطيون واليسار والوسط والبيئة مجتمعين 176 مقعدًا.
الفارق ثلاثة مقاعد فقط، لكنه كافٍ لتغيير الحسابات السياسية التي قامت عليها حكومة كريسترشون السابقة.
لكن كريسترشون لا يحتاج إلى 175 نائبًا يؤيدونه
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص النظام البرلماني السويدي.
فالشخص المرشح لرئاسة الحكومة لا يحتاج إلى الحصول على أصوات 175 نائبًا لصالحه حتى يصبح رئيسًا للوزراء.
القاعدة هي العكس تقريبًا: المرشح يستطيع المرور ما دام 175 نائبًا أو أكثر لا يصوتون ضده.
وهذا يعني أن الامتناع عن التصويت (avstår) يمكن أن يصبح عاملًا حاسمًا.
لذلك لا يحتاج كريسترشون بالضرورة إلى إقناع حزب آخر بالدخول رسميًا في حكومته. قد يكون كافيًا في بعض السيناريوهات التوصل إلى تفاهم يجعل عددًا من النواب يمتنعون عن التصويت ضده.
وهنا يبدأ البحث عن الحزب الذي يمكن أن يغير المعادلة.
حزب الوسط يعود إلى قلب الحسابات
من الناحية العددية، يبرز حزب الوسط Centerpartiet باعتباره أحد أهم الأطراف القادرة على تغيير موازين البرلمان.
الحزب يمتلك 25 مقعدًا، وهي كتلة كبيرة بما يكفي لتغيير وضع أي محاولة لتشكيل الحكومة إذا قرر تغيير موقعه أو الامتناع عن إسقاط حكومة يقودها المحافظون.
لكن المشكلة بالنسبة إلى كريسترشون ليست حسابية فقط.
زعيمة الوسط إليزابيث ثاند رينغكفيست Elisabeth Thand Ringqvist أعلنت قبل الانتخابات موقفًا واضحًا تجاه سفاريا ديمقارطنا، وأكد حزبها أنه لا يريد حكومة يشارك فيها SD أو تعتمد على نفوذه السياسي.
وهذا الموقف يعيد إلى الأذهان الخلاف القديم الذي فصل الوسط عن المعسكر التقليدي لأحزاب يمين الوسط.
المشكلة بدأت قبل حكومة تيدو
لم يكن الخلاف بين الوسط والمحافظين وليد انتخابات 2026.
فمع صعود سفاريا ديمقارطنا وتزايد تأثيره في معسكر اليمين، ابتعد حزب الوسط تدريجيًا عن التعاون التقليدي مع المحافظين والمسيحيين الديمقراطيين والليبراليين.
وبعد انتخابات 2022، اختار كريسترشون طريقًا مختلفًا، عندما توصل المحافظون والمسيحيون الديمقراطيون والليبراليون إلى اتفاق تيدو مع سفاريا ديمقارطنا.
ومن خلال هذا التعاون استطاع كريسترشون تشكيل الحكومة، بينما أصبح SD القوة البرلمانية الخارجية الأساسية التي تعتمد عليها الحكومة في عدد من الملفات.
أما حزب الوسط فبقي خارج هذه التركيبة.
والآن، بعد انتخابات 2026، تعود المشكلة نفسها ولكن بأرقام مختلفة وأكثر تعقيدًا.
الوسط: ما رفضناه سابقًا لن نقبله الآن
المواقف التي أعلنها حزب الوسط قبل الانتخابات تجعل مهمة كريسترشون صعبة إذا أراد البحث عن دعم الحزب.
فالوسط أكد أنه لا يريد منح سفاريا ديمقارطنا دورًا في توجيه الحكومة الجديدة، وهو ما يجعل إعادة اتفاق تيدو بالصورة السابقة غير كافية لاستمالته.
وبالتالي، إذا أراد كريسترشون فتح باب حقيقي للتفاوض مع الوسط، فقد يحتاج إلى تقديم صيغة مختلفة عن الحكومة السابقة.
وهنا يظهر السيناريو الأكثر إثارة للاهتمام: هل يمكن تشكيل «تيدو 2» ولكن بقواعد جديدة؟
هل يبتعد أوكيسون عن الحكومة لاستمالة الوسط؟
نظريًا، يمكن للمحافظين والمسيحيين الديمقراطيين والليبراليين محاولة التفاوض مع حزب الوسط على صيغة حكومية جديدة، لكن العقبة الرئيسية ستظل موقع سفاريا ديمقارطنا وزعيمه جيمي أوكيسون Jimmie Åkesson.
ومن هنا قد تبدأ مفاوضات أكثر تعقيدًا.
قد يحاول أولف كريسترشون، إلى جانب جيمي أوكيسون وزعيمة المسيحيين الديمقراطيين إيبا بوش Ebba Busch، البحث عن صيغة تسمح بتخفيف أو تغيير دور SD في التعاون الحكومي، بما يمكن أن يفتح الباب أمام الوسط.
لكن حتى هذا الحل لا يضمن موافقة حزب الوسط.
فالوسط لم يعترض فقط على دخول وزراء من SD إلى الحكومة، بل اعترض كذلك على وجود حكومة تعتمد سياسيًا على سفاريا ديمقارطنا بالطريقة التي حدثت خلال فترة تيدو.
ولذلك فإن مجرد بقاء أوكيسون ووزراء حزبه خارج الحكومة لن يكون بالضرورة كافيًا.
السؤال سيكون: هل سيبتعد SD فعليًا عن عملية توجيه الحكومة، أم سيظل القوة البرلمانية التي تعتمد عليها حكومة كريسترشون؟
وهنا ستظهر حدود التنازلات التي يمكن أن يقدمها كل طرف.
سيناريو «تيدو 2»
إذا نجح كريسترشون في إيجاد صيغة يقبلها الوسط، أو على الأقل تدفع عددًا كافيًا من نوابه إلى الامتناع عن التصويت ضد الحكومة، فقد تظهر حكومة جديدة بقيادة المحافظين تشبه تيدو ولكن بتركيبة سياسية مختلفة.
يمكن عندها الحديث سياسيًا عن نموذج يشبه «تيدو 2»، ولكن هذا الوصف يظل في الوقت الحالي سيناريو محتملًا وليس اتفاقًا قائمًا أو معلنًا.
كريسترشون وأوكيسون وإيبا بوش يمتلكون خبرة مفاوضات 2022 التي انتهت باتفاق تيدو، لكن المهمة هذه المرة أصعب لأن الأرقام البرلمانية لم تعد في صالح الأحزاب الأربعة نفسها.
قاعدة تيدو تمتلك 173 مقعدًا، بينما تمتلك الأحزاب الأربعة الأخرى 176 مقعدًا.
ولذلك فإن ثلاثة مقاعد فقط تفصل بين المعسكرين حسابيًا، لكن الخلافات الداخلية بين الأحزاب تجعل المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد جمع المقاعد.
هل يتكرر سيناريو 2022؟
هناك أوجه تشابه بين ما يحدث حاليًا وبين الأزمة السياسية التي أعقبت انتخابات 2022، لكن الأحداث ليست متطابقة.
بعد انتخابات 2022، أقرت ماجدلينا أندرشون بأن معسكر اليمين حصل على الأغلبية وأعلنت استقالتها، ثم بدأت عملية تشكيل حكومة جديدة.
وبعد مفاوضات بين المحافظين والمسيحيين الديمقراطيين والليبراليين وسفاريا ديمقارطنا، تم التوصل إلى اتفاق تيدو، وأصبح أولف كريسترشون رئيسًا للوزراء.
أما في انتخابات 2026 فقد انعكست الأرقام.
الأحزاب الأربعة S وV وC وMP تمتلك الآن 176 مقعدًا، بينما تمتلك أحزاب تيدو السابقة 173 مقعدًا.
لكن ما أثبتته محاولة أندرشون هو أن امتلاك 176 مقعدًا موزعة على أربعة أحزاب لا يعني تلقائيًا القدرة على تشكيل حكومة مشتركة.
فالخلافات بين هذه الأحزاب يمكن أن تكون أهم من التفوق العددي نفسه.
وهذا بالضبط ما قد يمنح كريسترشون فرصة جديدة.
ماذا يحدث إذا فشل كريسترشون أيضًا؟
حتى إذا حصل كريسترشون على مهمة استطلاع ولم ينجح، فهذا لا يعني التوجه مباشرة إلى انتخابات جديدة.
رئيس البرلمان يستطيع مواصلة المشاورات والبحث عن حلول أخرى.
وهنا يجب التمييز بين مهمة استطلاع تشكيل الحكومة وبين التصويت الرسمي على مرشح لرئاسة الوزراء.
الدستور السويدي يسمح لرئيس البرلمان بتقديم مرشح لرئاسة الوزراء إلى البرلمان. وإذا صوت 175 نائبًا أو أكثر ضد المرشح، يُرفض ويبدأ البحث عن حل آخر.
ويمكن تقديم أربعة مقترحات رسمية لرئاسة الوزراء.
إذا رفض البرلمان المرشحين في المحاولات الأربع، عندها يجب الدعوة إلى انتخابات إضافية (extra val) خلال ثلاثة أشهر، ما لم تكن هناك انتخابات عادية مقررة خلال تلك الفترة.
ولذلك لا تزال هناك مساحة واسعة للمفاوضات قبل الوصول إلى سيناريو انتخابات جديدة.
الحكومة الجديدة قد تحتاج إلى تنازلات غير متوقعة
المشهد الحالي يجعل تشكيل الحكومة السويدية الجديدة مفتوحًا على عدة احتمالات.
أندرشون لم تستطع حتى الآن تحويل التفوق العددي للأحزاب الأربعة صاحبة الـ176 مقعدًا إلى قاعدة حكومية متماسكة.
وفي الجهة الأخرى، لا يستطيع كريسترشون إعادة حكومة تيدو القديمة اعتمادًا على أرقامها وحدها، لأن الأحزاب الأربعة لا تمتلك سوى 173 مقعدًا.
وبالتالي فإن الحكومة القادمة تحتاج، في جميع السيناريوهات تقريبًا، إلى تنازل أو تفاهم جديد بين أحزاب كانت حتى الآن تقف في معسكرات مختلفة.
وقد يكون حزب الوسط أحد مفاتيح هذه المعادلة، لكن ثمن انتقاله أو امتناعه عن إسقاط حكومة يقودها كريسترشون قد يكون تغييرًا جوهريًا في علاقة المحافظين بسفاريا ديمقارطنا.
وهنا تحديدًا ستظهر قدرة أولف كريسترشون وجيمي أوكيسون وإيبا بوش وبقية قادة الأحزاب على المناورة والتفاوض.
توزيع مقاعد البرلمان السويدي بعد انتخابات 2026
الاشتراكيون الديمقراطيون S: 99 مقعدًا – 28.02%
المحافظون M: 70 مقعدًا – 19.85%
سفاريا ديمقارطنا SD: 62 مقعدًا – 17.48%
حزب اليسار V: 30 مقعدًا – 8.40%
حزب الوسط C: 25 مقعدًا – 7.03%
المسيحيون الديمقراطيون KD: 22 مقعدًا – 6.17%
حزب البيئة MP: 22 مقعدًا – 6.12%
الليبراليون L: 19 مقعدًا – 5.34%
المجموع: 349 مقعدًا.
المصادر
هيئة الانتخابات السويدية – Valmyndigheten
البرلمان السويدي – Sveriges riksdag
SVT Nyheter









