
تقرير سويدي: وفاة السويدين في بيوتهم دون معرفة أحد بوفاتهم تتزايد
في السويد، كل شيء منظم، هادئ، ومحسوب بدقة. دولة رفاه متكاملة توفر السكن، الرعاية الصحية، الدخل الأساسي، والكرامة القانونية. لكن هذه الرفاهية نفسها تحمل وجهاً آخر أقل حديثاً عنه: رفاهية معزولة بخصوصية كاملة، قد تجعلك تعيش وحدك… وتموت وحدك، وربما لا يعلم أحد برحيلك إلا بعد أيام أو أسابيع. هذه ليست مبالغة أدبية، بل واقع يتكرر بصمت في المجتمع السويدي. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يحدث ذلك في واحدة من أكثر دول العالم تقدماً؟
حيث ذكر تقرير لراديو السويد ، أن السويد تشهد في السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في عدد الأشخاص الذين يتوفون داخل منازلهم ويبقون لفترات طويلة قبل أن يتم اكتشاف وفاتهم. في كثير من الحالات، لا يصل البلاغ إلى الشرطة إلا بعد أن يلاحظ الجيران انبعاث روائح قوية من إحدى الشقق، وهي غالباً نتيجة تحلل الجثة.
وبحسب ما نقلته الإذاعة السويدية المحلية في إقليم فيسترا وسورملاند، فإن بعض هذه الروائح تكون شديدة لدرجة تدفع فرق الطوارئ لاستخدام أقنعة واقية عند دخول المساكن، كما يوضح قائد مجموعة شرطة التأهب في Eskilstuna.
أرقام مقلقة من الطب الشرعي
تقرير حديث صادر عن Rättsmedicinalverket (مصلحة الطب الشرعي السويدية) يكشف أن هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية.
- في إقليم Sörmland وحده، تم العثور خلال عام 2025 على 12 شخصاً بعد مرور شهر أو أكثر على وفاتهم داخل منازلهم.
- في العام الذي سبقه، سُجلت 9 حالات مشابهة.
- على مستوى السويد بالكامل، بلغ عدد الحالات 309 أشخاص خلال عام واحد، مقارنة بـ 281 حالة في السنة السابقة.
هذه الأرقام تعكس اتجاهاً تصاعدياً يثير قلق الجهات المختصة، ليس فقط من زاوية إنسانية، بل أيضاً من زاوية قانونية وأمنية.صعوبة التعرف… وتعقيد التحقيق كلما طالت المدة بين الوفاة واكتشافها، زادت صعوبة عمل الشرطة. فالتغيرات الجسدية الناتجة عن التحلل قد تجعل التعرف على هوية المتوفى أمراً بالغ التعقيد، وأحياناً مستحيلاً، ما يفتح الباب أمام تحقيقات طويلة ومكلفة. ويشير مسؤولون في الشرطة السويدية Polisen إلى أن العزلة الطويلة تجعل الإنسان “غير مرئي” اجتماعياً، حتى وهو حي، وهو ما ينعكس مباشرة بعد وفاته.
لماذا يموت الناس وحدهم في السويد؟
السبب لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى مزيج من الخصوصيات الاجتماعية السويدية، من أبرزها:
- الخصوصية العالية (Integritet): التدخل في شؤون الآخرين يُعد أمراً حساساً، حتى بين الجيران.
- العيش الفردي (Ensamstående hushåll): نسبة كبيرة من السكان يعيشون بمفردهم، خصوصاً كبار السن.
- ضعف الروابط اليومية: لا زيارات مفاجئة، ولا تواصل مستمر، ولا سؤال يومي عن الغياب.
- الثقة بالدولة: الاعتماد الكبير على المؤسسات بدلاً من العلاقات الاجتماعية.
فالسويديين يعيشون في تكتلات فردية عائلية وليسوا من محبي تكوين العائلات الكبيرة. والأبناء غالباً يتركون الآباء في مرحلة المراهقة ويعيشون بمفردهم في مناطق بعيدة. كل ذلك يخلق بيئة يمكن للإنسان أن يختفي فيها دون أن يلاحظ أحد غيابه.
الشرطة السويدية: لا تترددوا… تحركوا
الشرطة السويدية تدعو السكان إلى كسر حاجز الصمت الاجتماعي عند الشعور بوجود أمر غير طبيعي. فإذا اختفى جار لفترة طويلة، أو بدأت روائح غير معتادة بالانتشار من شقة ما، فإن طرق الباب أو التواصل مع الشرطة قد يكون الفارق بين اكتشاف وفاة مبكرة أو بعد أسابيع. الرسالة واضحة: الاحترام لا يعني اللامبالاة، والخصوصية لا تعني تجاهل الآخر.









