مقالات رأي

في السويد.. تموت بهدوءٍ وحيدًا… ملكُ الموت لا يستأذن بالدخول!

هل فكرت بالنهاية كيف ستكون تكون في السويد لك كمهاجر؟ هل ستموت في السويد! هل مستعد للموت وحيدًا!

في السويد يموت الناس بصمت يليق بخفة ملائكة الموت. يموتون في عزلة. يموتون وليس بجانبهم إلا القليل من الأهل والأقارب، وربما لن يجدوا أحدًا! فيموتون دون أن يشعر بهم أحد في دار للمسنين أو في منازلهم حتى تفيح رائحة الموت من أجسادهم… كيف سيعرف الأهل والأصدقاء بنبأ الوفاة؟!. الإحصاءات الصادرة عن مصلحة الطب الشرعي السويدي (Rättsmedicinalverket) أكدت ارتفاع عدد الأشخاص الذين عُثر عليهم متوفين في منازلهم بعد مرور شهر على الأقل من الوفاة وقد تعفنت أجسادهم، حيث سجلت السويد 309 حالات خلال عام 2025.




السؤال قد يكون صعبًا، لكن الدولة السويدية تتعامل مع هذا الجانب الإنساني بطريقة منطقية وليس بطريقة عاطفية. ففي سجلات كل شخص مسن أو يحصل على رعاية كبار السن خانة يتطلب وضع معلومات شخصية للمسن، وهذه المعلومات تتعلق باسم وهاتف الشخص الذي يجب الاتصال به في حالات الطوارئ والوفاة. ولكن في كثير من الحالات تظل هذه الخانة فارغة!..

هذه الخانة الفارغة تبدأ وتنهي عندها قصة الحياة لمسن في السويد، حيث يموت الناس بطرق سريالية. أشدها مأساوية تلك التي تحدث بعد أن يموت الإنسان في منزله ويتفسخ المرء في شقته و”ينزعج” الجيران من رائحة لا يعرفون مصدرها.. ولكنها ليست إلا رائحة الموت في الجسد الذي بدأ يتحلل وحيدًا ولم يحصل على كرامة الدفن التي تميز الإنسان عن الحيوان.

قرأت في صحيفة Göteborgs-Posten قبل أيام أن رجلًا استأجر غرفة مفروشة في شقة في أطراف المدينة قبل ثلاثة أسابيع. وبعد بضعة أيام بدأت تظهر عليه أعراض المرض/الموت.

كانت صاحبة الشقة، وهي سيدة مسنة، تخاف عليه وترسل زوجها يقرع الباب ويطمئن على حياته… إلى أن قرع زوجها الباب في أحد الأيام ولم يتلقَ ردًا. كان ملك الموت قد سبقه إلى الغرفة وقبض روح الرجل المسن!




اتصلت السيدة بالشرطة السويدية كي تحضر وتأخذ الجثة. واتصلت الرعاية الصحية بأولاده في مدينة “أوديفالا” التي لا تبعد عن غوثنبيرغ أكثر من ثلاثين كيلومترًا، لإخبارهم بوفاة والدهم، ولكن لم يحضر أحد لإجراء مراسيم الدفن، فالجميع مشغول بعمل أو مسافر أو لديه مشاغله الخاصة، لقد حاولوا التجمع بعد شهر أو شهرين ولكن فشلوا في جمع أبناء أو أقارب الرجل المتوفى، لم يحضر أحد حتى لإلقاء نظرة أخيرة على الأب…. يا له من أب بسعر رخيص بخس!!

قامت السيدة وزوجها مالكة الغرفة المفروشة، بالتعاون مع الجهات المعنية، بالواجب. فقامت بتحضير طقوس دُفنَ الرجل وحيدًا كما عاش وحيدًا لسنوات. في هذا البلد- السويد، “بلد الرفاه” و”المعجزة الاقتصادية” والإنسانية اللامحدودة، لا أحد يعرف حقيقة أحد، ولا شيء يكشف ويخفي حقيقة الحياة إلا الموت.




تتعدد الوفيات، وتتعدد القصص حول هذا وذاك. لنجد قصص النهايات في السويد محزنة محبطة! ونحن أمام مئات الأشخاص ماتوا وتفسخت أجسادهم قبل أن يعلم أحد بموتهم، وهنا الآلاف ماتوا بمفردهم في وحدة وعزلة.

كنت في كوبنهاغن قبل شهرين. وفي لقاء عابر مع صديق وهو طبيب عراقي يقيم في الدنمارك منذ سنوات، سألته عن جاره اللبناني الذي أصرّ و”حلف بالطلاق” أن أحلّ ضيفًا عليه في العام الماضي (مع أنني لا أعرفه): فقال لي صديقي: “يا سبحان الله… اليوم جنازته… سأذهب إلى كنيسة الروم الكاثوليك في نوربرو لحضور القداس.. هل تود أن تأتي معي؟”

وعندما لاحظ استغرابي، قال موضحًا: أنت معذور… فأنت لا تعرف الرجل. لا زلت أذكر إصراره على استضافتك عندما التقى بك في بيتي لأول مرة… هل تعرف أن المرحوم تنقل من دين إلى آخر، ومن مذهب إلى آخر، ليس حبًا في معرفة الأديان والتعمق في المذاهب، بل رغبة في التكسب والبحث عن عائلة وأصدقاء يلجأ إليهم بعد أن خانته الحياة وتخلت عنه زوجته بعد أن هربت مع عشيق في عمر أبنائها. وسافر أولاده لدول أخرى للعمل وجمع المال!




“كان المرحوم ساخرًا ضاحكًا. – لقد انتحر. قرر أن يضع حدًا لحياته لكي يتخلص من الوحدة والجرح المكبوت… لقد عثروا على جثته بعد عشرين يومًا… وذلك بعد أن اتصل أحد الجيران بشركة السكن ليشكو من رائحة كريهة…!!”

سمعت هذه القصة وأنا أشعر بالغثيان مما أسمعه ـ وذهبت مع صديقي إلى كنيسة الروم الكاثوليك لحضور القداس الذي أقيم للمرحوم… ولفت انتباهي أن الكنيسة كانت خالية إلا من بضعة عجائز ربما كانوا أصلًا هناك لحضور صلاة الأحد.

لم يبكِ أحد بصوت عالٍ. صمت كصمت المقابر كما يقول الألمان. تم الدفن بحضور القس. أعاد القس بعض الصلوات (“من التراب جئت، وإلى التراب تعود”) وأنا لا أعلم عن هذه الصلوات شيء فأنا لست مسيحي…!




كنت أنظر إلى القسيس، ولا أدري لماذا خُيّل إليّ بأنه كان حريصًا على الانتهاء من أداء هذا “الواجب الثقيل” في أقصر وقت ممكن… حمل كلٌ من المشيعين وهم أقل من عدد الأصابع وردة ووضعوها فوق ضريح الميت استعدادًا للنوم الطويل في تلك الحفرة الضيقة الباردة. لاحظت أن جميع الحفر على نفس المقاس تقريبًا.

ثم انصرف الغرباء كلٌ إلى شأنه. وفي طريق العودة إلى محطة القطارات المركزية للعودة للسويد كانت أفكاري تتمحور أين أبنائي الذين سافروا لأمريكا وكندا؟ ولماذا جئت للسويد وأضعت عمري وأبنائي؟ وكم من الوقت سيمضي على تعفن جثتي قبل أن يتصل جاري بشركة السكن… ليشكو من رائحة كريهة… وهل سيحضر أبنائي أو معارفي جنازتي أو سيتم البحث عن شيخ ومقبرة باردة لكي أدفن فيها وحيدًا كما أنا وحيدًا الآن؟!

ملك الموت لا يستأذن بالدخول…!


  • مقال لكاتبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى