
الحكومة السويدية: فشل خطة ترحيل السوريين لبلادهم
تسير الحكومة السويدية بخطى متسارعة نحو ما يمكن وصفه بـ حزمة سياسية متكاملة تهدف إلى إنهاء وجود آلاف السوريين داخل السويد، عبر تشجيع العودة الطوعية – Frivillig återvändande لمن لا تزال إقامتهم سارية، والترحيل القسري – Tvångsutvisning لكل من سُحبت إقامته أو رُفض طلب لجوئه، في إطار سياسة هجرة أكثر تشددًا تحمل طابعًا أمنيًا وسياسيًا واضحًا. لكن التقارير الحكومية الجديدة في 2026 تشير أن سوريين السويد لا يرغبون بالعودة لبلادهم ويسعون لترسيخ استقرارهم في السويد. حيث يشترون المنازل والسيارات غالية السعر ، ويأسسون مجتمع أعمل ويرفضون عروض العودة الطوعية، حتى من رفض طلب لجوءه يختفي ولا يتعاون للعودة لسوريا.
ورغم هذا التوجه الصارم الحكومي تجاه سوريين السويد، تكشف المعطيات الرسمية أن التنفيذ على الأرض لا يسير بالوتيرة التي أعلنتها الحكومة، خاصة فيما يتعلق بترحيل السوريين المدانين جنائيًا إلى سوريا، وهو ما سلطت الضوء عليه تحقيقات صحفية حديثة.
أرقام أقل بكثير من الوعود الحكومية
بعد زيارة رسمية أجراها وزير الهجرة السويدي يوهان فورشيل ووزير التعاون الدولي بنيامين دوسا إلى دمشق في نوفمبر 2024، أعلنت الحكومة نيتها ترحيل 128 سوريًا مدانًا من السويد إلى بلادهم.
لكن بعد مرور أكثر من ستة أشهر، تُظهر بيانات مصلحة الهجرة السويدية أن 38 شخصًا فقط عادوا إلى سوريا بشكل طوعي، في حين أكدت مصلحة السجون السويدية ترحيل 7 أشخاص قسرًا خلال الفترة نفسها، دون وضوح ما إذا كانوا ضمن القائمة التي تحدث عنها الوزراء.
هذه الأرقام تضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة السويد على تنفيذ وعودها السياسية، رغم التصعيد الخطابي والضغط الدبلوماسي.
العودة إلى سوريا… أولوية سياسية سويدية
التحول في السياسة السويدية تزامن مع تغيير جذري في المشهد السوري، بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، وصعود سلطة جديدة في دمشق. ومنذ ذلك الحين، بات ملف “العودة إلى سوريا – Återvändande till Syrien” في صدارة أولويات السياسة الخارجية والهجرة السويدية.
تحقيق صحفي موسّع أجرته صحيفة Dagens ETC، استند إلى مراجعة عشرات التقارير الرسمية – بعضها سري جزئيًا – كشف أن وزارة الخارجية السويدية بدأت فور تغيير السلطة في دمشق بإعادة تقييم الوضع، وكلفت سفارتيها في بيروت ودمشق بإعداد تقارير مكثفة حول الأوضاع السياسية والأمنية.
كما عززت الخارجية طاقمها بدبلوماسي رفيع المستوى لإجراء تحليلات سياسية ميدانية، أجرى عدة زيارات لسوريا خلال ربيع 2025، قبل أن تنتهي قضيته بشكل مأساوي بعد توقيفه للاشتباه بالتجسس ووفاته لاحقًا في ظروف أثارت جدلًا واسعًا داخل السويد.
تقارير رسمية: سوريا غير مستقرة أمنيًا
رغم الدفع السياسي القوي نحو إعادة السوريين، تعكس تقارير وزارة الخارجية صورة مقلقة عن الوضع في سوريا.
التقييمات الرسمية تتحدث عن:
- هشاشة أمنية واضحة
- توترات مستمرة بين الحكومة والقوات الكردية في الشمال
- دور تركي ضاغط في الشمال الشرقي
- تساؤلات غربية حول استدامة العودة الطوعية على المدى المتوسط
وفي ربيع 2025، وُصف الوضع الأمني بأنه غير مؤهل لعودة واسعة النطاق، حتى من منظور إنساني، وهو ما يتناقض مع الخطاب السياسي المتشدد داخل السويد.
مساران سويديان متوازيان داخل سوريا
الوثائق الرسمية تكشف أن التحرك السويدي في سوريا يسير عبر مسارين متوازيين:
- مسار اقتصادي: فتح الباب أمام الشركات السويدية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار.
- مسار إنساني – إداري: دعم قطاعات حيوية مثل البنية التحتية، الرعاية الصحية، والخدمات العامة، بهدف تهيئة الأرضية لعودة اللاجئين.
وخلال لقاءات رسمية، أعرب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن ترحيب بلاده بالتعاون الدولي في ملفات الأمن والهجرة، مع التأكيد على رفض أي تدخل خارجي في الشأن السيادي السوري.
مليارات الكرونات… دون شروط معلنة
في سبتمبر 2025، أعلنت السويد زيادة مساعداتها لسوريا بمقدار 295 مليون كرون، ليصل إجمالي الدعم السنوي إلى نحو 1.2 مليار كرون.
القرار جاء عقب لقاء جمع وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد بنظيرها السوري على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، حيث كان ملف إعادة اللاجئين حاضرًا بقوة.
وأوضحت وكالة التنمية السويدية أن المساعدات تُقدّم عبر الأمم المتحدة ومنظمات دولية لدعم مؤسسات الدولة السورية، دون وجود تعاون حكومي مباشر.
من جانبه، نفى بنيامين دوسا بشكل قاطع وجود أي شروط مرتبطة بملف الترحيل، رغم سوابق دولية ربطت المساعدات بقبول المرحّلين، كما حدث مع دول أخرى.
تفاصيل حساسة… وملفات مغلقة
خلال الزيارة الوزارية إلى دمشق في نوفمبر، ناقش الجانب السويدي مع المسؤولين السوريين احتياجات البلاد لاستقبال العائدين، خاصة في مجالات الصحة، المياه، والبنية التحتية، لكن تفاصيل هذه المباحثات بقيت طي الكتمان.
ورغم التحذيرات الأمنية التي كانت موجودة مسبقًا، شهدت الأشهر التالية تصعيدًا عسكريًا في حلب ومناطق الشمال الشرقي، ما أعاد طرح سؤال جوهري:
هل سوريا جاهزة فعلًا لاستقبال موجات ترحيل جديدة؟
خلاف جوهري حول الأولويات
في فبراير 2026، زار وفد سويدي رفيع برئاسة سكرتير الدولة أندش هال دمشق، حيث جددت السويد موقفها بأن على سوريا التزامًا قانونيًا باستقبال مواطنيها الذين لا يملكون حق الإقامة في السويد، بمن فيهم المدانون جنائيًا.
لكن المعطيات تشير إلى فجوة واضحة في الأولويات:
- السويد ترى الترحيل جزءًا من أمنها الداخلي
- دمشق تعتبر العودة ملفًا سياديًا خالصًا وتتحفظ على استقبال فئات معينة
وهو ما يفسر، حتى الآن، تعثر تنفيذ الترحيل القسري رغم كل الضغوط السياسية والدبلوماسية.
الخلاصة
السويد ماضية في سياسة ترحيل شاملة تجاه السوريين، مصممة بعناية كحزمة متكاملة تجمع بين:
- تضييق الإقامات
- تشجيع العودة الطوعية
- محاولة فرض الترحيل القسري
لكن الواقع الميداني، والوضع الأمني في سوريا، والخلاف على الأولويات مع دمشق، كلها عوامل تجعل هذه السياسة أكثر تعقيدًا وأقل فاعلية مما تعلنه الحكومة.









