
لاجئو إيران وسوريا في السويد يطالبون بسقوط أنظمة بلادهم… لكنهم لا يريدون العودة؟
في مقال لكاتب سويدي استعرض فيه أزمة الحروب في الشرق الأوسط من زواية لاجئء السويد، حيث أشار الكاتب .. أن الظاهرة تتكرر في شوارع ومدن السويد، تتكرر مشاهد مألوفة كلما تصاعد حدث سياسي كبير في الشرق الأوسط: تظاهرات، هتافات، أعلام، رقص وفرح بسقوطٍ محتمل أو فعليٍّ لنظام حاكم. إيرانيون في السويد يطالبون بإسقاط نظام طهران، كما فعل السوريون قبلهم وهم يهتفون ضد نظام بشار الأسد. لكن خلف هذا المشهد، يبرز سؤال ثقيل لا يريد كثيرون طرحه بصوت عالٍ: إذا سقط النظام الذي هربتم منه… لماذا لا تعودون؟
معظم الإيرانيين والسوريين في السويد خرجوا من بلدانهم هرباً من القمع، السجون، الخوف، والحرب. في لحظة الهروب الأولى، كان الشعار واضحاً: “سنعود عندما يسقط النظام”.
لكن السنوات مرّت، وسقط نظام الأسد فعلياً كدولة منهارة، ولو بقي شكلياً في الحكم، ومع ذلك لم نشهد موجة عودة جماعية للسوريين من السويد إلى سوريا.
اليوم، يتكرر المشهد مع الإيرانيين، الذين يطالبون علناً بسقوط نظام إيران، لكن دون أن يضعوا العودة ضمن أي سيناريو واقعي.
السويد… الوطن البديل لحياة الرفاه!
السبب الأول الذي لا يُقال بصراحة: السويد لم تعد مجرد “بلد لجوء”، بل تحولت إلى بديل لمعيشة الرفاه… حيث العمل، الأمان، التعليم، الجنسية، الحقوق، المستقبل للأطفال… كلها عوامل صنعت ارتباطاً وجودياً جديداً. لذلك لا احد يفكر بالعودة، حتى بعد سقوط النظام، فالعودة تعني خسارة مادية معيشية ونمط حياة مستقر مقابل العودة لمجتمعات شرقية عنيفة تعيش في الفوضى والفقر بلدان مدمر نفسياً ومادياً.
سقوط النظام لا يعني عودة اللاجئ… الحقيقة التي لا يريدون سماعها
سقوط أي نظام سياسي لا يعني تلقائياً عودة اللاجئ الذي وصل إلى السويد ليس باحثاً عن الأمان بل بحثاً عن المزايا الاجتماعية!!!.
الأنظمة قد تنهار، الحكّام قد يُطاح بهم، لكن اللاجئين – في معظم الحالات – لا يعودون. والسبب بسيط، مهما حاول اللاجئين تجميله بالشعارات الوطنية : كثيرون لم يأتوا فقط هرباً من القمع، بل بحثاً عن حياة أفضل، واستقرار مالي، وحقوق، ومستقبل لا يمكن مقارنته بما تركوه خلفهم.
الواقع يقول إن تغيير النظام في بلدانهم لا يعنيهم عملياً. هو حدث يُشجَّع من بعيد، يُصفَّق له، ويُستثمر عاطفياً، لكن دون أي التزام حقيقي بالعودة. اللاجئ يشجع “فريقه” السياسي في بلده الأصلي، ويتمنى هزيمة “الفريق الآخر”، تماماً كما لو كان يتابع مباراة كرة قدم: فوز من بعيد، وخسارة لا يدفع ثمنها!!! .
في سوريا، سقطت دولة بشار الأسد عملياً، حتى وإن بقي النظام شكلياً. الدولة انهارت، المؤسسات تآكلت، المجتمع تمزق. لكن السؤال الجوهري بقي بلا جواب:
لماذا يعود اللاجئ لسوريا ويترك السويد؟، بلد الرفاه، الضمان الاجتماعي، التعليم، والاستقرار، ليعود إلى بلد محطم؟
الجواب الذي لا يقال علناً: اللاجئ جاء السويد لمكاسب فلماذا يعود! لا يوجد سبب مقنع للعودة!! .
الإيرانيون في السويد يدركون هذا الدرس جيداً. حتى لو سقط النظام في إيران غداً، فلن نشهد عودة جماعية للاجئين الإيرانيين. قد نرى احتفالات، هتافات، رقصاً في شوارع ستوكهولم، فرحاً بخسارة النظام الذي يكرهونه، لكن هذا الفرح لا علاقة له بالعودة، ولا بالتضحية، ولا بمواجهة ما ينتظر الداخل من فوضى وصراع وإعادة بناء قاسية.
الحقيقة القاسية أن كثيرين لا يريدون أوطانهم كما هي، ولا يريدون تحمل كلفة إعادة بنائها. يريدون سقوط الأنظمة، نعم، لكنهم يريدون البقاء حيث الأمان والمال والحقوق.
المنفى هنا ليس محطة مؤقتة، بل قرار نهائي، مهما تغيّرت الأعلام في العواصم البعيدة.
التناقض الأخلاقي: الفرح تحت القصف!
هنا تظهر أكثر النقاط حساسية.
الرقص والاحتفال في شوارع أوروبا، بينما القنابل تسقط في طهران أو دمشق، يطرح إشكالاً أخلاقياً عميقاً. كيف يمكن الفرح بسقوط نظام، بينما يدفع المدنيون هناك الثمن لسقوط النظام؟
كثيرون يتناسون – أو يتجاهلون – أن الضحايا ليسوا “النظام”، بل شعباً منهكاً، يشبههم، لكنه لم يتمكن من الهرب مثلهم.
السياسة من الخارج… بلا ثمن!
النضال من المنفى يختلف جذرياً عن النضال في الداخل.
اللاجئ في السويد يرفع سقف الشعارات لأنه لا يدفع الثمن المباشر. لا سجن، لا قصف، لا فقدان بيت. وهنا يتحول إسقاط النظام إلى مطلب رمزي، أخلاقي، أو نفسي، أكثر منه مشروعاً عملياً للعودة.
الحقيقة التي لا يريدون قولها!
كثير من اللاجئين، سوريين كانوا أو إيرانيين، لا يريدون في الحقيقة العودة، حتى لو تغير النظام بالكامل.
هم يريدون العدالة حسب رغبتهم، الانتقام المعنوي، رؤية الجلاد يسقط… لكنهم في الوقت نفسه يريدون البقاء حيث الأمان والكرامة المعيشية والمكاسب.
هذا ليس بالضرورة نفاقاً، بل تعبير مدلس عن تجربة إنسانية قاسية: من يذق طعم الاستقرار بعد سنوات من الجحيم، يصعب أن يعود طوعاً إلى رماد وطنٍ لم يلتئم جرحه بعد. ولكن كان الأفضل أن تحتفل بمنزلك بهدوء وليس بالرقص في شوارع ستوكهولم .. فقضيتك ومعركتك في بلدك وليست في شوارع السويد!
خلاصة قاسية!
الهتاف ضد الأنظمة من شوارع السويد غير مفهوم، وغير مقبول حتى لو كان مشروع.
لكن تحويل الفرح بسقوط الأنظمة إلى مشهد احتفالي يتجاهل الدم والنار في الداخل، يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية لا يمكن الهروب منها.
المنفى يغيّر الإنسان…
يجعله ثورياً وطنياً في الشعارات، وحذراً في القرارات، ومقيماً دائماً في وطنٍ لم يولد فيه، لكنه منحه ما لم تمنحه بلاده يوماً!









