تقارير المركز السويدي للمعلومات SCI

تقرير سويدي: هل أكراد سوريا سكانًا أصليين لسوريا… كأكراد العراق وتركيا؟

يشهد التوتر الكردي في سوريا تصاعدًا واضحًا في الآونة الأخيرة، وهو امتداد مباشر لأزمة كردية أوسع تشمل تركيا والعراق وإيران. فمنذ عقود، يسعى الأكراد في هذه المنطقة إلى انتزاع اعتراف بهويتهم وحقوقهم الثقافية والسياسية، وصولًا إلى طموحات بدولة مستقلة أو صيغة حكم ذاتي. غير أن الحالة السورية تختلف جذريًا عن باقي الحالات الكردية في المنطقة، سواء من حيث الانتماء التاريخي للأرض أو طبيعة البنية السكانية التي يعيش فيها الأكراد داخل سوريا، حيث تتسم مناطقهم بتعدد الأعراق والثقافات، ويعيشون جنبًا إلى جنب مع العرب والسريان والآشوريين والكلدان والتركمان وغيرهم. وهذا يختلف تمامًا عن سياق الوجود الكردي وحقوق الأكراد في العراق وتركيا وإيران، فما يمكن قبوله لأكراد العراق يصعب جدًا قبوله لأكراد سوريا.

ولفهم جذور المسألة الكردية في سوريا، لا بد من التوقف عند سؤال أساسي: من أين جاء أكراد سوريا قبل استقرارهم داخل الحدود السورية الحديثة؟




الغالبية الساحقة من أكراد سوريا، وخصوصًا في منطقة الجزيرة السورية، تعود أصولهم إلى أكراد جنوب شرق تركيا، وليس إلى العراق أو إيران، كما أنهم لا يُعدّون تاريخيًا من السكان الأصليين لشمال سوريا. فأكثرية أكراد مدن القامشلي، عامودا، الدرباسية، ورأس العين، ينحدرون تاريخيًا من مناطق دياربكر (Amed)، ماردين (Mêrdîn)، أورفا (Şanlıurfa)، نصيبين (Nusaybin)، وسلوبي وجزيرة ابن عمر (Cizre). وكانت هذه المناطق جزءًا من كردستان العثمانية التاريخية، ومتجاورة جغرافيًا مع الجزيرة السورية، ما سهّل حركة الانتقال عبر الحدود التي لم تكن صارمة قبل القرن العشرين.

إلى جانب ذلك، توجد أقلية من أكراد سوريا تعود أصولها إلى شمال العراق، وتحديدًا من مناطق دهوك وزاخو، وغالبًا ما ارتبط حضورهم بتنقلات عشائرية قديمة أو بعلاقات تجارية واجتماعية عابرة للحدود، إلا أن نسبتهم تبقى محدودة مقارنة بالقادمين من تركيا.




أما أسباب انتقال الأكراد من مناطقهم الأصلية إلى سوريا، فيعود العامل الأبرز فيها إلى القمع السياسي الذي تعرض له الأكراد في تركيا بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923. فقد أُلغيت الهوية الكردية رسميًا، ومُنع استخدام اللغة الكردية، وتعرضت الثورات الكردية المتعاقبة لقمع شديد، بدءًا من ثورة الشيخ سعيد عام 1925، مرورًا بثورة آرارات عام 1930، وصولًا إلى مجازر ديرسم بين عامي 1937 و1938. ونتيجة لذلك، فرت آلاف العائلات الكردية جنوبًا نحو سوريا، لا بدافع التوسع أو الاستيطان القومي، بل هربًا من القمع السياسي والأمني.




في المقابل، يختلف المشهد في شمال غرب سوريا، وتحديدًا في عفرين وجبل الكرد (Kurd Dagh)، حيث يعود الوجود الكردي إلى العصور الوسطى. فقد استقرت قبائل كردية في هذه المناطق منذ قرون، وارتبطت بالزراعة الجبلية والعادات القبلية، وحافظت على لغتها وثقافتها. ويُرجّح أن هذا الوجود يعود إلى القرنين الحادي عشر أو الثاني عشر الميلاديين، أي قبل دخول العثمانيين إلى المنطقة بزمن طويل، خلال فترات الدولة الأيوبية التي حكمت مصر وبلاد الشام دون العراق وتركيا.




ولفهم جذور الأزمة بشكل أعمق، لا بد من التمييز بين “الأرض التاريخية للأكراد” و “الأراضي التي يعيشون عليها اليوم”. ففي العراق وإيران وتركيا، يُعد الأكراد سكانًا أصليين للمناطق التي يقيمون فيها، ولم يصلوا إليها نتيجة هجرات خارجية حديثة، بل شكّلوا على مدى آلاف السنين جسمًا تاريخيًا واحدًا متصلًا في قلب حزام جبال زاغروس–طوروس. ففي أربيل (هولير)، يمكن اعتبار الأكراد من أقدم سكان المدينة، حيث استمر وجودهم رغم تعاقب الإمبراطوريات الفارسية والبيزنطية والعربية الإسلامية وغيرها، وبقيت أربيل موطنًا كرديًا منذ ما يزيد على ثلاثة آلاف عام حتى اليوم. وينطبق الأمر ذاته على شرناق وماردين وأجزاء من ديار بكر في تركيا، وكرمانشاه ومهاباد في إيران، حيث حافظ السكان على اللغة والعادات ونمط الحياة عبر قرون طويلة تمتد لنحو ألفي عام. هذا العمق التاريخي يمنح أكراد هذه المناطق هامشًا أوسع في الحديث عن الاستقلال أو الحكم الذاتي، بوصفهم يعيشون على أرض تُعد كردية تاريخيًا إلى حد بعيد، ولا تشاركهم فيها قوميات أخرى بنفس الامتداد السكاني.




أما في الحالة السورية، فالوضع مختلف. فأكراد سوريا ليسوا السكان الأوائل للأراضي التي يعيشون عليها حاليًا، خصوصًا في الجزيرة السورية، حيث جاء معظمهم قبل نحو مئة عام أو يزيد قليلًا نتيجة هجرات حديثة من تركيا خلال القرن العشرين، أثناء انهيار الدولة العثمانية. وعلى الرغم من أنهم جزء أصيل من الشعب الكردي، فإنهم استقروا على أرض سورية ذات هوية تاريخية مركبة، عاشت عليها قبلهم ومعهم قوميات وأعراق متعددة، من عرب وسريان وآشوريين وكلدان وتركمان. وحتى في المناطق التي شهدت وجودًا كرديًا أقدم، مثل عفرين، فإن هذا الوجود لم يكن حصريًا أو قائمًا على إقصاء الآخرين، بل تشكّل ضمن فضاء تعددي أوسع.




وبناءً على ذلك، فإن ما يُعرف اليوم بـ«كردستان سوريا» لم يكن أرضًا كردية خالصة تاريخيًا بالمعنى الذي ينطبق على أربيل في العراق أو دياربكر في تركيا أو مهاباد في إيران، بل هو جزء من سوريا متعددة الأعراق والثقافات، لكنها ذات عمق كردي اجتماعي ناتج عن الكثافة السكانية الكردية فيها، ما يجعل المطالب الكردية مرتبطة أكثر بقضايا الحقوق السياسية والمدنية والاعتراف الثقافي ضمن إطار دولة مشتركة.

الفرق هنا لا يتعلق بالشرعية الإنسانية أو بحق الوجود. فجميع الأكراد، في سوريا وغيرها، لهم الحق في العيش الكريم، وبما أن هذه الأراضي التي يعيش عليها الأكراد في سوريا ليست تاريخيًا أرضًا كردية خالصة، فهي بطبيعة الحال ليست حكرًا على العرب وحدهم أيضًا في ظل الدولة الحديثة.
وهنا يظهر ضرورة الجسد السوري الوطني لمنطقة متعددة الثقافات، ويحق للأكراد الحفاظ على ثقافتهم والمشاركة السياسية وفقًا لكثافة وجودهم السكاني.




ولهذا يكمن الفرق في درجة الانتماء التاريخي العميق للأرض. فأكراد العراق وإيران وتركيا يتمتعون بانتماء تاريخي متواصل وموثق يشكل جسدًا ثقافيًا وجغرافيًا واحدًا، وهو ما يفسر طبيعة مطالبهم القومية بالحكم الذاتي أو الطموح بدولة كردية. أما أكراد سوريا، فوجودهم حديث نسبيًا على أرض سورية متعددة القوميات، ما يجعل التحدي الأساسي أمامهم هو بناء صيغة تعايش وضمان حقوق مدنية وسياسية داخل إطار الدولة السورية، بدل الانطلاق من فكرة الأرض القومية الخالصة.

في هذا السياق، لا تبدو الأزمة الكردية في سوريا مجرد صراع هوية، بل اختبارًا حقيقيًا لإدارة التنوع والتعايش على أرض ذات تاريخ معقد. وفهم هذا الفارق الجوهري يساعد على تصحيح الخطاب السياسي والتاريخي، ووضع المطالب الكردية السورية في سياقها الواقعي، بعيدًا عن المبالغات القومية أو المقارنات غير الدقيقة مع تجارب كردستان العراق أو أكراد تركيا وإيران. فما يمكن قبوله لأكراد العراق لا يمكن قبوله أو تحقيقة لأكراد سوريا.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى