المركز السويدي للمعلومات
لدعم الهجرة واللجوء في اوروبا والسويد

اسكندنافيا لا تزال تتذكر ما فعلته السويد !

لم يكن مفاجئًا اتهام رئيسة وزراء النرويج، إرنا سولبرغ، السويد على أنها مركز المجموعات العنصرية في اسكندنافيا، بل لم يكن مفاجئًا رد وزير التقانة الرقمية السويدي، أندرش إيغمان، عندما حثها على «النظر إلى نفسها بالمرآة»، وذلك لأن النرويجيون قد  يتذكروا من وقت لأخر بعض المواقف التاريخية  الغير جيدة للسويد مع جيرانها ـ  إلى درجة  أن المواد التاريخية للطلاب بالمدارس النرويجية تحتوي على مادة تعليمية تشير  إلى  أن السويد كانت دولة  لها إرث عنيف وغير عادل مع دول شمال أوروبا “اسكندنافيا”.




الإرث التاريخي بين السويد وجيرانها الاسكندنافيين مليئ بالتنافر  والعنف والسلطوية ، وهذا حال الكثير من دول أوروبا في القرنين الماضيين ، ولكن الحالة السويدية الاسكندنافية  لها خصوصية وتعود  إلى أن أوروبا الكبرى فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا والنمسا كانوا يلقبون جميع سكان الدول الاسكندنافية بلقب «الدنماركي»، على الرغم من أن سكان اسكندنافيا كانوا ينتمون إلى عشائر  وقبائل وعائلات   الكثير منها من أصل سويدي  .





تاريخياً اعترضَ السويديون على هذا اللقب وكان يزعجهم ثقافياً ، وأكدوا بأنهم ليسوا دنماركيين وأنهم  أصحاب السيادة والنفوذ  في اسكندنافيا ، حيث بدأت السويد تتوحش في القرن الثامن عشر وتخضع كل دول اسكندنافيا لنفوذها وسياستها بقوة السلاح خلال حروب مدمرة ، بينما كان الدنماركيون غاضبون من السويد التي هزمتهم في حروب عديده وانتزعت منهم جميع بلديات مقاطعة سكونيا .. كما انتزع  السويديون النرويج من الدنمارك وتم إخضاعها للنفوذ السويدي  …




وعندما دارت الحرب بين السويد والنرويج في صيف عام 1814م، أخضعت السويد النرويج  في اتحاد مشترك بينهما وأخرجتها من الاتحاد مع الدنمارك، لتدخل النرويج مهزومة مُجبرة في إتحاد مع السويد، وذلك بسبب خسارتها الحرب أمام السويد، وحينها  رفض النرويجيين سياسة الاندماج في الثقافة السويدية حتى كان الشعور النرويجي آنذاك ” أن السويد بلد مُحتل للنرويج ” حيث كان النرويجيون ينتمون فعلياً للثقافة الدنماركية  ! ، 

في الوقت نفسه كانت فنلندا تكافح ثقافياً واجتماعياً  للتخلص من السويد  لتكون فنلندا لاحقا دولة مستقلة..




كانت فنلندا جزء لا يتجزأ من المملكة السويدية لعدة قرون حتى عام 1809م حينما احتلت الإمبراطورية الروسية فنلندا ولم تكلف السويد نفسها الدفاع عن فنلندا  .. فقال الفنلنديون الناطقون باللغة السويدية: «لم نعد سويديين لقد تركونا للروس …  ، ولا يمكننا أن نصبح روس، فلنكن فنلنديين».

وهكذا، تعالت الأصوات المطالبة بالتوقف عن التحدث باللغة السويدية في فنلندا. وعلى الرغم من أن الروس تعاملوا بقسوة مع الفنلنديين، وقمعوا معظم الحركات القومية الفنلندية، إلا أن اللوم القي بالكامل على السويديين الذين سيطروا على فنلندا لقرون ثم تركوها للروس لقمة صائغة يفعلوا بفنلندا وشعبها ما يريدونه .




والمحصلة النهائية لما سبق هو أن السويد تاريخياً لديها مشاكل ثقافية وتاريخية مع جيرانها ، ولكن كل ذلك أصبح من التاريخ  لا أكثر … ، حيث  تتوحد دول اسكندنافيا في العصر الحديث تحت راية المصالح الاقتصادية ووحدة الموقع الجغرافي ونموذج الدول الديمقراطية الأفضل في العالم وسياسة الحياة العسكري والسلم الاجتماعي ..





ولكن تظل  الذاكرة التاريخية راسخة في الثقافات الخاصة لدول اسكندنافيا ضد السويد … ربما أقربها عندما سكتت السويد وسمحت لجيوش النازي هتلر بسحق الدنمارك واحتلالها  ، ومرور الجيوش الألمانية النازية عبر السويد لاحتلال النرويج ، وتسهيل وصول الفرق العسكرية الألمانية لفنلندا  لتحويل فنلندا لساحة قتال ألمانية ضد الروس.




هذه المواقف  التاريخية تظهر  تراشقات إعلامية من وقت لأخر فمثلا أثارت تغريدة لرئيس وزراء السويد السابق كارل بيلدت في أبريل 2021 في الذكرى الـ81 لاحتلال الجيش الألماني النازي لجاريها الدنماركي والنرويجي، جدلاً واسعاً، إذ اعتُبرت سخرية من الأشقاء الاسكندنافيين.

تغريدة  رئيس وزراء السويد السابق كارل بيلدت في أبريل 2021

.

حيث اعتبر بيلدت أن “القوة الدفاعية السويدية لا تزال أقوى من النرويج، ومن الدنمارك تحديداً، فلو كان قرر هتلر (الزعيم النازي أدولف هتلر) غزو السويد عام 1940 لشاهد هتلر وجيوشه قتال مريراً مع السويديون ولصمدت السويد “.




ومنذ كتب بيلدت تغريدته تصدر الحديث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بفضل الغضب الذي واجهه من الشارعين الدنماركي والنرويجي وتذكروا المواقف التاريخية ضد السويد . البعض ذكره بأن “النرويج قاومت الاجتياح النازي ولولا الخيانة السويدية لقاومت النرويج . آخرون سخروا من التغريدة باستدعاء أحاديث لرئيسة وزراء بريطانيا الراحلة مارغريت تاتشر وونستون تشرشل التي أشارت لدور السويد بالحرب العالمية الثانية بأنه دور ” تاجر الحرب المبتذل”   حيث تلاعبت للحصول على مصالح خاصة ضد مبادئ أوروبا   العليا وحقوق الإنسان .

حسابات نرويجية  رسمية ترد بغضب على تغريدة وزير خارجية السويد السابق – 2021




تبقى آثار التاريخ حاضرة، ولو من باب التهكم، في علاقات الأشقاء في هذه الزاوية الشمالية من القارة العجوز. فالدنمارك دخلت حروباً طاحنة مع السويد، وخسرت بسببها منطقة جنوب السويد التي تسمى “سكونا”، فيما النرويج، وبعد عقود من التبعية للتاج الملكي الدنماركي، خرجت متمردة ومستقلة في 1905.




لاعب المنتخب الوطني النرويجي السابق لكرة القدم، يان فيورتوفت، وصف تغريدة بيلدت بـ”أغبى ما كُتب هذا الأسبوع على (تويتر)، فالسويد سمحت لقوات هتلر بالتوغل لمهاجمة شمال النرويج في 1940. إنه أمر مخز”.




وهاجمت نائبة رئيس حزب اليمين النرويجي “فريمسكريت”، سولفي ليستهاوغ، تصريحات بيلدت، بنقد لاذع نقلته صحافة أوسلو . وذكرت ليستهاوغ أنه “لو فعل الجميع كما فعلت السويد (في الحرب العالمية الثانية) لكان هتلر منتصراً، فمن الغباء أن يذهب وزير خارجية سابق إلى مثل هذه التصريحات، لأننا جميعاً نعلم الدور الذي لعبته السويد أثناء غزو ألمانيا للنرويج والدنمارك، وخصوصاً سماح استوكهولم للجيش النازي بنقل مدرعاته وأسلحته وجنوده عبر أراضيها”.




مسألة الاحتلال النازي لا تزال بعد 80 عاماً تخضع لنقاش متواصل. ففي كوبنهاغن على وجه الخصوص قاوم الدنماركيون الغزو الفجائي صباح ذلك النهار من عام 1940، ولكن بعد خسائر فادحة أمر الملك كريستيان العاشر (توفي عام 1947) بوقف المقاومة. واشتعلت خلال سنوات الاحتلال جبهة مقاومة دنماركية، وخصوصاً في السنوات الأخيرة من الاحتلال، وأعدم عدد من المقاومين. وأطلقت المقاومة الدنماركية والنرويجية عمليات استهدفت اغتيال دنماركيين تعانوا مع الاحتلال النازي.
 




ولكن قد ننظر للواقع بمنظور أكثر واقعية فالنرويج التي تتهم السويد على أنها مركز المجموعات العنصرية في اسكندنافيا، والدنمارك التي تتهم السويد بإرث غير ديمقراطي تضم الدولتين العديد من الحركات القومية الشعوبية، بل أن تاريخ العنصرية في النرويج والدنمارك لهو أقدم وأشد قسوة من السويد ومعروف مدى معادة كل من النرويج والدنمارك وتشددهم في قبول اللاجئين وقبول الأخر مقارنتاً بالسويد .




وعلى سبيل المثال جرى في عام 2000م نقاشًا صحفيًا في النرويج يشير إلى أن معظم النرويجيين يتقبلون مصطلح «الزنجي» لوصف أي شخص من أصل أفريقي بغض النظر عن أصله الجغرافي أو خصائصه الأخرى، بينما رحب الدنماركيين بعزل المهاجرين حتى لو كان دنماركيين في إشارة لجعلهم مواطن من درجة ثانية .. بينما تنعزل فنلندا بمفردها دون أن تظهر أي سياسة إنسانية في دعم المهاجرين أو الترحيب بالأخريين .




 

المقال يعبر عن رأي كاتبه ..

قد يعجبك ايضا
لا يمكنك نسخ محتوى هذه الصفحة