
الطفل مراد يعيش منذ عامين مع إخوته في مركز للترحيل من السويد
في منطقة صناعية هادئة ببلدية ماشتا (Märsta) في العاصمة السويدية ستوكهولم، وعلى بُعد دقائق فقط من مطار أرلاندا (Arlanda)، يعيش الطفل مراد، البالغ من العمر عشر سنوات، حياة لا تشبه حياة الأطفال. فمنذ قرابة عامين، تقيم عائلته داخل مركز استقبال وعودة تابع لمصلحة الهجرة السويدية، في إطار سياسة حكومية جديدة تهدف إلى تشديد تنفيذ قرارات الترحيل بحق من رُفضت طلبات لجوئهم نهائيًا.
وجود مراد في هذا المكان ليس حالة استثنائية، بل جزء من توجه رسمي يسعى إلى جمع جميع طالبي اللجوء المرفوضين في مراكز مغلقة نسبيًا، تُعرف باسم “مراكز العودة”، بهدف دفعهم إلى مغادرة السويد، طوعًا أو عبر الترحيل من خلال الضغط عليهم في موقع حجز معيشي مغلق.
طفولة معلّقة خلف الأسوار
وصل والدا مراد إلى السويد عام 2015 قادمين من إثيوبيا، في وقت كانت فيه البلاد تستقبل أعدادًا كبيرة من طالبي اللجوء. ومنذ ذلك الحين، دخلت العائلة في دوامة طويلة من قرارات الرفض والترحيل، بعدما رأت مصلحة الهجرة أن أسباب الحماية المقدمة لا تستوفي الشروط القانونية.

ومع رفض الأسرة العودة إلى بلدها الأصلي، تم نقلها إلى مركز العودة في ماشتا، حيث تعيش اليوم مع أطفالها الأربعة. مراد، وهو الأكبر بينهم، يقول إن الإقامة في المركز غيّرت نظرته لنفسه ولحياته. فعندما تندلع شجارات بين المقيمين، يشعر بالخوف والرغبة في الهرب، لكنه يقول إن جسده “لا يساعده”. ويضيف: هنا لا أشعر أنني طفل.
والدته، فايو، تصف العودة إلى إثيوبيا بأنها مخاطرة حقيقية بالحياة، مؤكدة أن العائلة تخشى التعرض للأذى أو القتل في حال أُجبرت على المغادرة. وبين هذا الخوف، وذلك الانتظار الطويل، تعيش الأسرة حالة من الجمود، حيث لا مستقبل واضح ولا استقرار.

مراكز العودة… قلق رسمي وتحذيرات حقوقية
منذ افتتاح أول مراكز الاستقبال والعودة عام 2023، توسّع هذا النظام ليشمل اليوم تسعة مراكز موزعة على عدة بلديات سويدية. وخلال هذه الفترة، سُجلت مئات بلاغات القلق المتعلقة بأوضاع الأطفال داخل هذه المراكز، وفق بيانات وتحقيقات إعلامية.
تقارير رسمية كشفت عن حوادث متكررة في مركز ماشتا، شملت شجارات عنيفة، وتهديدات، ومضايقات، إضافة إلى مخاوف من تعاطي المخدرات في محيط قريب من أماكن إقامة الأطفال. بعض الحوادث تضمنت اتهامات بسلوكيات غير لائقة تجاه قاصرين، وأخرى تطلبت تدخل الشرطة بعد تصاعد العنف.
فيديو ..مراد داخل مركز الترحيل
منظمات تطوعية، أبرزها “أنقذوا الأطفال” (Rädda Barnen)، حذرت من أن هذه البيئة غير مناسبة نهائيًا لنمو الأطفال. وتؤكد الأخصائية النفسية هانا تيرماينيوس أن الحياة اليومية داخل مراكز العودة تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان والاستقرار النفسي، قائلة إن ما يعيشه الأطفال هناك يتجاوز بكثير ما يمكن اعتباره بيئة مقبولة لأي طفل.
اللافت أن القلق لم يأتِ فقط من الخارج، بل من داخل مصلحة الهجرة نفسها. فقد حذّرت المديرة العامة للمصلحة، ماريا ميندهامار، في مراسلات رسمية مع مجلس الأخلاقيات، من أن عائلات لديها أطفال تعيش جنبًا إلى جنب مع أشخاص لديهم سوابق عنف، أو مشكلات إدمان، أو اضطرابات نفسية. وأشارت إلى أن هؤلاء قد يشكلون خطرًا فعليًا، وأن الأطفال يواجهون احتمال التعرض أو مشاهدة جرائم داخل هذه المراكز.
الحكومة ماضية في خطتها
رغم الانتقادات المتصاعدة، تؤكد الحكومة السويدية أن نظام مراكز العودة يشكل جزءًا أساسيًا من إصلاح شامل لسياسة اللجوء. وتقول مصلحة الهجرة إن تجميع عدد كبير من الأشخاص في مساحة محدودة، خاصة عندما يكونون غير راغبين في التواجد هناك، يؤدي بطبيعته إلى حوادث، لكنها تشدد على أنها تتعامل مع هذه المخاطر بجدية وتسعى لتعزيز شعور الأمان، خصوصًا للأطفال.
وفي ميزانية عام 2026، خصصت الحكومة نحو 155 مليون كرون لتعزيز الإجراءات الأمنية داخل مراكز الهجرة، مع خطط لافتتاح مراكز إضافية مستقبلًا. ويرى وزير الهجرة يوهان فورشيل، من حزب المحافظين، أن النظام الجديد ضروري من أجل “تنظيم أكثر فاعلية” لاستقبال طالبي اللجوء، وتحسين تنفيذ قرارات العودة التي لم تحقق نتائج كافية في السابق.
تحميل العائلات المسؤولية
في المقابل، تبنّى سياسيون من أحزاب اتفاق “تيدو” خطابًا أكثر تشددًا. فقد اعتبرت النائبة في البرلمان الأوروبي عن حزب الديمقراطيين المسيحيين (KD)، أليس تيودوريسكو موفه، أن العائلات نفسها تتحمل مسؤولية الأوضاع التي يعيشها أطفالها، بسبب رفضها تنفيذ قرارات العودة.
أما المتحدث باسم سياسة الهجرة في حزب ديمقراطيي السويد (SD)، لودفيغ أسبلينغ، فذهب أبعد من ذلك، متهمًا بعض الأهالي باستخدام أطفالهم كوسيلة ضغط للحصول على تصاريح إقامة، واصفًا هذا السلوك بأنه غير مقبول أخلاقيًا.
أرقام تعكس واقعًا معقدًا
بحسب إحصاءات مصلحة الهجرة، سُجل منذ عام 2023 -2025 نحو 2750 شخصًا في مراكز العودة. غادر قرابة نصفهم السويد طوعًا، فيما اختفى نحو خمسهم من السجلات الرسمية. ويقيم حاليًا حوالي 650 شخصًا في هذه المراكز، بينهم 210 أطفال.
وبينما تتحدث الحكومة عن الانضباط والكفاءة، تظل قصص مثل قصة مراد تطرح سؤالًا أخلاقيًا صعبًا: هل يمكن تطبيق سياسة هجرة صارمة دون أن تتحول طفولة مئات الأطفال إلى ضحية جانبية؟ سؤال يبدو أنه سيبقى حاضرًا بقوة مع توسع مراكز العودة واستمرار الجدل السياسي والحقوقي حولها.









