
أعلنت الحكومة السويدية عن توجه تشريعي جديد يعيد تنظيم منظومة استقبال طالبي اللجوء، في خطوة تعكس تحولًا واضحًا في فلسفة إدارة ملف الهجرة. المشروع الجديد يسعى إلى إنهاء النظام القائم الذي أتاح لطالبي اللجوء السكن بشكل مستقل خارج مراكز الاستقبال الرسمية، واستبداله بإطار قانوني أكثر مركزية وانضباطًا.
ووفقًا لما أعلنته الحكومة، فإن هذا التغيير يأتي في وقت تشهد فيه السويد انخفاضًا غير مسبوق في أعداد طالبي اللجوء، إلى مستويات لم تُسجل منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بالتوازي مع تزايد حالات العودة، سواء الطوعية أو القسرية.
ومن المقرر، في حال إقرار المشروع، أن تدخل القواعد الجديدة حيّز التنفيذ في الأول من أكتوبر 2026، ما يمنح الجهات المعنية فترة انتقالية لإعادة هيكلة نظام الاستقبال بالكامل.
تشير البيانات الحكومية إلى أن عدد طالبي اللجوء المسجلين حاليًا لدى مصلحة الهجرة السويدية لا يتجاوز نحو ثمانية آلاف شخص، وهي أرقام منخفضة مقارنة بسنوات سابقة. كما تُظهر الإحصاءات أن نسبة الموافقات الأولية لا تتجاوز ثلث الطلبات، ما يعكس تشددًا متزايدًا في تقييم ملفات اللجوء.
وترى الحكومة أن هذا الواقع الجديد يفرض الحاجة إلى نظام أكثر وضوحًا، يربط بين مراحل اللجوء المختلفة، من تقديم الطلب، مرورًا بالإقامة المؤقتة، وصولًا إلى العودة في حال الرفض.
لماذا تريد الحكومة إنهاء السكن الخاص؟
وزير الهجرة يوهان فورشيل أوضح أن السماح لطالبي اللجوء بالسكن الخاص ساهم، خلال السنوات الماضية، في نتائج عكسية. فبدل أن يدعم الاندماج، أدى في كثير من الحالات إلى تعميق العزلة الاجتماعية، وترك طالبي اللجوء في مناطق تعاني أصلًا من ضعف الخدمات وفرص العمل.
كما أشار إلى أن هذا النظام صعّب على الدولة تنفيذ قرارات العودة بحق من رُفضت طلباتهم، بسبب فقدان السيطرة على أماكن إقامتهم وتحركاتهم.
وترى الحكومة أن إلغاء هذا النظام سيمنحها قدرة أكبر على إدارة الملف بشكل منظم، وتقليل الفوضى الإدارية، وضمان متابعة طالبي اللجوء طوال فترة وجودهم في البلاد.
إقامة إلزامية وضبط أشد
بموجب المشروع الجديد، سيُطلب من طالبي اللجوء الإقامة – كقاعدة عامة – في الولاية التي يُخصص لهم فيها السكن. كما سيُخضعون لمتطلبات حضور منتظمة أو التزام بالإبلاغ للجهات المختصة.
وفي حال الإخلال بهذه الالتزامات، قد تُفرض عقوبات تدريجية، تشمل خفض أو إيقاف المساعدات المالية، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى اعتبار طلب اللجوء متروكًا أو مسحوبًا.
العمل… حق مؤجل
واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في المشروع هي تقييد حق العمل خلال فترة دراسة طلب اللجوء. إذ ينص المقترح على منع طالبي اللجوء من العمل بشكل عام أثناء معالجة ملفاتهم، مع فتح باب الحصول على تصريح عمل فقط بعد مرور ستة أشهر، شريطة استيفاء شروط محددة وعدم صدور قرار نهائي خلال تلك الفترة.
وترى الحكومة أن هذا الإجراء يهدف إلى الحفاظ على وضوح المسار القانوني لطالب اللجوء، ومنع تحوّل سوق العمل إلى بوابة بديلة للبقاء دون حسم قانوني.
ماذا يعني هذا للمهاجرين في السويد؟
بالنسبة لطالبي اللجوء، يحمل المشروع رسالة واضحة: هامش الحرية الذي كان قائمًا سابقًا يتقلص. السكن الخاص، والعمل المبكر، والقدرة على التحرك بحرية نسبية، كلها عناصر كانت تمنح شعورًا بالاستقلال، لكنها ستُستبدل الآن بنظام أكثر ضبطًا ورقابة.
هذا التحول قد يوفّر لبعض طالبي اللجوء دعمًا منظمًا وخدمات أكثر تركيزًا، لكنه في المقابل يضعهم في موقع أكثر هشاشة نفسيًا واجتماعيًا، خاصة مع تقييد العمل وزيادة خطر فقدان الدعم عند أي مخالفة إدارية.
ماذا يعني هذا للشعب السويدي؟
أما بالنسبة للمجتمع السويدي، فالقرار يعكس تحوّلًا أوسع في المزاج العام. فبعد سنوات من الجدل حول الهجرة، يبدو أن هناك قبولًا متزايدًا لسياسات أكثر صرامة، مقابل وعود بالحد من العزلة الاجتماعية، وتقليل الضغط على البلديات، وتعزيز الثقة في نظام الرفاه. لكن في المقابل، يطرح المشروع أسئلة أخلاقية وإنسانية حول التوازن بين التنظيم والإنصاف، وحول ما إذا كان تشديد القيود سيؤدي فعلًا إلى اندماج أفضل، أم إلى مزيد من التهميش.









