
تشهد الساحة السورية تطورًا غير مسبوق منذ سنوات، يوصف بأنه الأخطر منذ اندلاع الحرب الأهلية، مع تراجع متسارع لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وانسحابها من مواقع حيوية شرق وغرب الفرات، بالتزامن مع تقدم واسع للجيش السوري مدعومًا بتحركات العشائر العربية، في مشهد يعيد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا.
مصادر عسكرية أكدت أن الجيش السوري بسط سيطرته الكاملة على مناطق غرب نهر الفرات، في مؤشر واضح على انهيار خطوط دفاع قسد في هذه الجبهة، بعد أن فقدت السيطرة على مدينة الشحيل في ريف دير الزور، إحدى النقاط المفصلية في المنطقة.
النفط والغاز يخرجان من يد قسد!
الانسحاب لم يكن عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا، إذ أفادت المعطيات بأن قسد انسحبت من حقلي العمر والتنك النفطيين، وهما من أكبر وأهم الحقول في سوريا، إضافة إلى خسارة السيطرة على حقل كونيكو للغاز شمال دير الزور، ما يمثل ضربة قاسية لمصادر تمويلها ونفوذها.
فيديو متداول يظهر الاشتباكات بين مقاتلي العشائر وقسد وسط مدينة الرقة pic.twitter.com/KmFq6nO3Vo
— سوريا الآن – أخبار (@AJSyriaNowN) January 18, 2026
وبالتوازي، بدأت آليات ثقيلة تابعة للجيش السوري بالدخول إلى المواقع النفطية والغازية التي انسحبت منها قسد، في خطوة تعكس انتقال السيطرة الفعلية على الأرض، وليس مجرد تقدم عسكري مؤقت. الشركة السورية للبترول أعلنت من جهتها أنها تنتظر استكمال بسط الأمن في محيط الحقول، تمهيدًا لإعادة تشغيل الإنتاج، مؤكدة أن الجيش بات يسيطر على سلسلة واسعة من الحقول الاستراتيجية، بينها العمر، التنك، كونيكو، الجفرة، العزبة، وحقول طيانة وجيدو ومالح وأزرق.

الرقة… المعقل الأول لقسد على حافة السقوط
التحول الأخطر يتمثل في الاقتراب من مدينة الرقة – Raqqa، التي تعد المعقل السياسي والعسكري الأهم لقسد منذ سنوات. فبحسب مصادر ميدانية، اندلعت اشتباكات مباشرة داخل المدينة بين العشائر العربية وقوات قسد، وسط تأكيدات بأن العشائر تمكنت من السيطرة على قرى وأحياء ومبانٍ حساسة، من بينها مبنى الأمن، حي المشلب، وحارة الشعيب.

وقبل ذلك، كان الجيش السوري قد أعلن السيطرة على مدينة الطبقة الاستراتيجية في ريف الرقة، إضافة إلى سد الفرات، أكبر سد مائي في سوريا، ما وضع قواته فعليًا على مشارف الرقة من عدة محاور.
العشائر العربية تدخل المشهد بقوة
في تطور لافت، لم يعد الصراع محصورًا بين الجيش السوري وقسد، بل برز دور العشائر العربية كفاعل ميداني مباشر، سواء في ريف دير الزور أو في جنوب الحسكة، حيث أكدت مجموعات عشائرية سيطرتها على ناحية مركدة، وهي نقطة حساسة قرب ما يعتبر المعقل الأخير لقسد في الحسكة.
كما أعلنت مصادر محلية تحرير أكثر من 200 سجين من معتقلات قسد في ناحية الكسرة، في مشهد يعكس تفكك السيطرة الأمنية للتنظيم في عدد من المناطق.
قراءة سياسية: هل حصل الجيش السوري على ضوء أخضر أميركي؟
سياسيًا، تتزامن هذه التطورات مع اتصالات وتحركات إقليمية ودولية لافتة. فقد تحدث مسؤول في الإدارة الذاتية عن اتصال جرى بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، واصفًا الأجواء بـ”الإيجابية”، وذلك بعد لقاء جمع مسعود بارزاني، مظلوم عبدي، والمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك في أربيل.

هذه المعطيات دفعت مراقبين إلى اعتبار أن التقدم السريع للجيش السوري، خاصة في مناطق كانت خاضعة للحماية الأميركية غير المعلنة، لا يمكن فصله عن تغير في الموقف الدولي، أو على الأقل منح واشنطن “كارتًا أخضر” غير مباشر لإنهاء ملف سيطرة قسد، التي تقودها قوى كردية، على شمال وشرق سوريا، لصالح ترتيبات جديدة تشمل دمشق والعشائر العربية.
قسد بين الاستنفار والانكماش
في المقابل، دعت قوات قسد السكان إلى الاستجابة لما سمته “النفير العام”، متهمة الحكومة السورية بخرق التفاهمات ومهاجمة مواقعها على أكثر من جبهة، في حين تؤكد الوقائع الميدانية أنها لم تعد تسيطر إلا على جيوب محدودة في مناطق مثل المعامل والكسرة غربي دير الزور.
ما يجري اليوم في سوريا لا يبدو مجرد جولة عسكرية عابرة، بل تحول استراتيجي قد ينهي سنوات من السيطرة المنفردة لقسد على مناطق واسعة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع وإعادة توزيع النفوذ، وسط صمت دولي يطرح أسئلة أكبر من الإجابات المتاحة حتى الآن.









