
في السويد كل الوظائف والمهن تمنحك راتبك جيد ، ولكن كثيرون يفكرون في المهنة من زاوية الراتب أو الأمان الوظيفيالأكبر وفقط، لكن الأرقام والقصص القادمة من سوق العمل السويدي تكشف جانبًا آخر أقل بريقًا: حيث يوجد مهن برواتب جاذبة ولكن قد تدفع ثمنًا صحيًا ونفسيًا باهظًا، لدرجة أن المرض يصبح جزءًا دائمًا من حياتك العملية.
إحصاءات حديثة صادرة عن صندوق التأمينات الاجتماعية السويدي تضع مساعدي التمريض في صدارة المهن الأكثر تسجيلًا للإجازات المرضية، لكنهم ليسوا وحدهم، فهناك قائمة طويلة من الوظائف التي يبدو أن العمل فيها يعني الغياب المتكرر عن العمل بسبب الإنهاك والتوتر والأمراض.
عندما يخونك عقلك قبل جسدك
تيريسيه هوكونسون، شابة في الثلاثين من عمرها، كانت تعمل كمساعدة تمريض في أحد أقسام الجراحة في مستشفى سويدي خلال ذروة جائحة كورونا. في البداية، كانت ترى الإرهاق أمرًا طبيعيًا، جزءًا من “الواجب المهني”، فالساعات الإضافية كانت كثيرة، والضغط لا يتوقف.
تقول إنها كانت تشعر بإشارات تحذير مبكرة، توتر دائم، تعب لا يزول، لكن فكرة التوقف لم تخطر ببالها. كانت تريد أن تكون الموظفة التي يُعتمد عليها دائمًا.
إلى أن جاء اليوم الذي شكّل نقطة الانكسار. أثناء عودتها من العمل، فقدت القدرة على تذكر الطريق إلى منزلها. مسافة لا تستغرق عادة أكثر من ربع ساعة سيرًا، تحولت إلى رحلة ضياع استمرت ساعة كاملة. لم يكن الأمر نسيانًا عابرًا، بل فقدان للتركيز والقدرة على الإدراك!! لحظة شعرت فيها أن شيئًا ما في داخلها انهار.
التشخيص الطبي كان صادمًا: إرهاق نفسي كامل. ضعف في الذاكرة، تسارع في ضربات القلب، فقدان توازن، وأعراض جسدية أخرى. حصلت على إجازة مرضية طويلة، وعندما حاولت العودة إلى المستشفى بعد نصف عام، لم تستطع حتى تحمّل أصوات أجهزة الإنذار. جسدها وعقلها كانا يقولان بوضوح: كفى.
اليوم تعمل تيريسيه في مجال رعاية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (LSS)، وتقول إنها وجدت أخيرًا توازنًا افتقدته طويلًا. العمل ما زال صعبًا، لكنه لم يعد يدمّرها من الداخل.
الانهيار الصامت خلف أبواب المنازل
قصة أخرى تحمل الملامح نفسها، لكنها أكثر قسوة. ميشيل فريد، 37 عامًا، عملت لسنوات كمساعدة تمريض في خدمات الرعاية المنزلية. الضغط اليومي، التنقل المستمر، المسؤولية الثقيلة، كلها تراكمت ببطء حتى وصلت إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على مغادرة منزلها.
تدهورت حالتها النفسية، ازداد وزنها، واختفى أي إحساس بالفرح. تصف تلك المرحلة بأنها كانت “منهارة تمامًا”، لا طاقة، لا أمل، ولا قدرة على الاستمرار. العودة إلى العمل لم تكن سريعة ولا سهلة، بل احتاجت إلى موازنة دقيقة بين الراحة والنشاط، وبين العمل والحياة.
اليوم تعمل ميشيل بنسبة 75% فقط في قسم أمراض الكلى والسكري بأحد المستشفيات. وتؤكد أن الدعم كان عاملًا حاسمًا في نجاتها، سواء من شريك حياتها، الذي يعمل هو الآخر في نفس المهنة، أو من مديرة تفهّمت وضعها الصحي ولم تضغط عليها للعودة الكاملة.
ورغم نشاطها خارج العمل كمدربة شخصية وناشطة سياسية محلية، تقول إنها تعلمت الدرس الأهم: أن تقول “لا” عندما يصل الضغط إلى حد الخطر.
الخطر لا يطال الموظف فقط
الإرهاق في قطاع الرعاية الصحية في السويد لا يدمّر العاملين وحدهم، بل ينعكس مباشرة على سلامة المرضى. سينيڤا ريبيرو، رئيسة اتحاد العاملين في الرعاية الصحية (Vårdförbundet)، تحذّر من أن ارتفاع عبء العمل يؤدي إلى نتائج مميتة.
بحسبها، عندما تكون الممرضة مسؤولة عن أكثر من سبعة مرضى في قسم واحد، ترتفع معدلات الوفاة بنسبة تصل إلى 30%. وتضيف أن نحو ثلث الممرضات يعملن بدوام جزئي، ليس اختيارًا، بل كوسيلة وحيدة للبقاء في المهنة دون الانهيار.
قائمة مهن… المرض فيها شبه متوقع
الأرقام الرسمية لعام 2024 -2025 تكشف بوضوح أن المشكلة لا تقتصر على مهنة واحدة. فعدد حالات الإجازة المرضية لكل ألف شخص يضع عدة وظائف في دائرة الخطر:
قائمة مهن… المرض فيها شبه متوقّع (السويد 2024)
| المهنة | لماذا تُعد مرهقة صحيًا؟ |
|---|---|
| مساعدو التمريض | ضغط نفسي وجسدي مرتفع، نقص كوادر، مناوبات طويلة |
| عمال الخدمات (حراس أمن، موزعو صحف) |
ساعات غير منتظمة وإجهاد بدني مستمر |
| اختصاصيو صحة الفم والأسنان |
عمل دقيق مرهق ووضعيات جسدية ضارة |
| حاضنات الأطفال ومساعدو التدريس |
عبء نفسي ومسؤولية عالية دون راحة كافية |
| ممرضو الأسنان | إجهاد عضلي متكرر وضغط يومي |
| مربو الحيوانات | جهد بدني ومخاطر صحية مستمرة |
| العاملون في الرعاية الاجتماعية |
ضغط عاطفي وتعامل مع حالات إنسانية صعبة |
| المساعدون الشخصيون ومقدمو الرعاية |
استنزاف نفسي وارتباط دائم بالعمل |
| مشغلو آلات النسيج والغسيل |
رتابة، ضوضاء، وإجهاد طويل الأمد |
| الممرضون | ضغط حياة أو موت ونقص حاد في الطواقم |
قبل أن تختار… فكّر في الثمن
هذه القصص والأرقام تطرح سؤالًا لا يحب كثيرون سماعه: هل كل مهنة تستحق أن تُعاش على حساب صحتك؟
بعض الوظائف قد تبدو نبيلة أو مستقرة، لكنها في الواقع تستهلك الإنسان ببطء، حتى يصبح المرض جزءًا من روتين حياته. التفكير في العمل لا يجب أن يتوقف عند الراتب أو الحاجة، بل يجب أن يشمل القدرة على الاستمرار دون أن تفقد نفسك، أو صحتك، أو طريق العودة إلى بيتك









