تقارير المركز السويدي للمعلومات SCI

نعمة أم نقمة؟ أحزاب بخلفية مهاجرة (نيانس والاتحاد) قد تقلب نتائج انتخابات السويد 2026

في المشهد السياسي السويدي، لا تولد الأحزاب الجديدة من فراغ. غالبًا ما تكون نتاج تصدعات داخل الأحزاب الكبرى، أو انعكاسًا لغضب مكتوم، أو تعبيرًا عن شعور بالإقصاء. هذا بالضبط ما يجري اليوم مع بروز حزبين جديدين بقيادة شخصيات من أصول مهاجرة وخلفية إسلامية: حزب نيانس (Nyans)، وحزب الاتحاد السويدي. ظاهريًا، يرفع الحزبان شعار “السياسة من منطلق سويدي”، لكن في العمق، تتشابك الهوية والهجرة والدين مع الحسابات الانتخابية بطريقة قد تغيّر موازين القوى في انتخابات 2026.



القاسم المشترك الأول بين الحزبين هو أن كليهما وُلد من رحم أحزاب سويدية تقليدية.
حزب نيانس خرج مؤسسه ميكائيل يوكسل وهو من أصول تركية من عباءة حزب الوسط السويدي ، كرد فعل على خلافات سياسية وفكرية وعلاقته بمنظمة الذئاب الرمادية ذات الخلفية المتطرفة، بينما جاء حزب الاتحاد السويدي نتيجة انشقاق مؤسسه جمال الحاج عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الحزب الأقوى تاريخيًا في السويد بسبب اشتباه بعلاقته بشخصيات بحركة حماس الفلسطينية المصنفة لإرهابية في أوروبا.




لكن التشابه ينتهي هنا، إذ يختلف المساران بوضوح.!
حزب نيانس اختار المواجهة الصريحة: لا يخفي مرجعيته الثقافية ولا جمهوره المستهدف، بل يعلن بوضوح أنه يمثل قيمًا وثقافة يرى أنها غائبة عن النقاش السياسي السويدي، ويخاطب المسلمين والمهاجرين مباشرة دون مواربة.
في المقابل، يسعى حزب الاتحاد السويدي، بقيادة جمال الحاج، إلى تقديم نفسه كحزب “وطني جامع”، متجنبًا أي توصيف ديني أو مهاجر، في محاولة واضحة للابتعاد عن الصورة التي التصقت بنيانس، رغم أن القاعدة الجماهيرية المتوقعة لكلا الحزبين هي نفسها إلى حد كبير.



تجربة (نيانس)مقابل فراغ (الاتحاد)؟

الفارق الثاني الجوهري يتمثل في التجربة السياسية.
حزب نيانس، رغم فشله في دخول البرلمان، استطاع حجز مقاعد في بعض المجالس المحلية، وخاض معارك انتخابية فعلية، وبنى تنظيمًا ميدانيًا، ولو محدودًا.
أما حزب الاتحاد السويدي، فلا يزال مشروعًا سياسيًا على الورق: لم يخض انتخابات، ولم يُختبر شعبيًا، ولم يُثبت قدرته على تحويل الخطاب إلى أصوات.

ومع ذلك، فإن مجرد وجوده على الساحة يفتح الباب أمام سيناريو مقلق سياسيًا، لا يتعلق بقوة الحزب بقدر ما يتعلق بما قد يسحبه من أصوات.



ذاكرة 2022… الأرقام التي لا ترحم!

لفهم خطورة المشهد، لا بد من العودة إلى انتخابات 2022.
حينها، حصل تحالف اليسار (الاشتراكيون الديمقراطيون، اليسار، البيئة، الوسط) على نحو 3.165 مليون صوت، ما منحه 173 مقعدًا.
في المقابل، نال تحالف اليمين (المحافظون، الديمقراطيون المسيحيون، الليبراليون، وديمقراطيو السويد) حوالي 3.212 مليون صوت، ما ترجم إلى 176 مقعدًا.

الفارق؟ ثلاثة مقاعد فقط، أي ما يعادل قرابة 46 ألف صوت.
فارق ضئيل للغاية، لكنه كان كافيًا لمنح اليمين – ومعه حزب ديمقراطيو السويد اليميني المتطرف – السيطرة على الحكم.




هنا يظهر اسم حزب نيانس بوضوح.
الحزب لم يتجاوز عتبة البرلمان (4%)، لكنه حصل على 28,352 صوتًا، أي حوالي 0.44% من الأصوات الصحيحة.
هذه النسبة وحدها كانت قريبة جدًا من العدد المطلوب لمنح اليسار مقعدين إضافيين، ما كان سيقلب النتيجة رأسًا على عقب.

بكلمات أبسط:
أصوات لم تُهدر قانونيًا، لكنها كانت حاسمة سياسيًا… وضاعت خارج البرلمان.

2026: التكرار أم التعقيد؟

مع اقتراب انتخابات سبتمبر 2026، يعود السؤال نفسه، لكن بصورة أكثر تعقيدًا.
اليوم لم يعد هناك حزب واحد مثل نيانس، بل حزبان يستهدفان – بشكل مباشر أو غير مباشر – نفس الكتلة: الناخبون المهاجرون، وخصوصًا المسلمون.




حزب الاتحاد السويدي، رغم حداثته، قد يجذب أصواتًا بدافع الهوية، أو الاحتجاج، أو الولاء لشخصيات بعينها، تمامًا كما فعل نيانس سابقًا. المشكلة ليست في النوايا، بل في النتيجة الحسابية: أحزاب صغيرة بلا فرصة حقيقية لدخول البرلمان، لكنها قادرة على سحب آلاف الأصوات من اليسار.

من المستفيد الحقيقي؟

المستفيد الأول من هذا التفتت ليس أيًّا من هذه الأحزاب الناشئة، بل اليمين السويدي، وعلى رأسه حزب ديمقراطيو السويد، المعروف بخطابه المتشدد والمعادي للهجرة.
حتى لو حصل الحزب اليميني المتطرف على مقاعد كثيرة في كل الأحوال، فإن فوز كتلة اليمين كاملة هو ما يمنحه النفوذ الحقيقي: التأثير في القوانين، في سياسات الهجرة، وفي الخطاب العام للدولة.




التجربة أثبتت أن أقل من 50 ألف صوت قادرة على تغيير مسار بلد بأكمله. فكيف سيكون المشهد إذا توزعت هذه الأصوات هذه المرة بين حزبين جديدين من القاعدة الانتخابية نفسها؟

خيار صعب للناخب المهاجر

الناخب المهاجر في السويد يقف اليوم أمام معادلة معقدة:
إما التصويت لأحزاب كبيرة، بطيئة التغيير لكنها مؤثرة،
أو دعم مشاريع سياسية جديدة تعبّر عنه رمزيًا، لكنها تفتقر إلى الوزن البرلماني.




هذا ليس نقاشًا أخلاقيًا، ولا دعوة للانحياز لحزب بعينه، بل دعوة لفهم قواعد اللعبة الانتخابية. ففي نظام يعتمد على النسب والحسم، يمكن للصوت الاحتجاجي أن يتحول – دون قصد – إلى هدية مجانية لخصومك السياسيين.

قد يقول البعض: “لماذا لا نخلق تيارًا مهاجرًا جديدًا في السويد؟”
سؤال مشروع. لكن التاريخ القريب يجيب بوضوح:
الطريق طويل، والكلفة عالية، والنتائج قد تكون عكسية… على الأقل في المدى المنظور.
وفي السياسة، كما في الحساب، النوايا لا تغيّر الأرقام.



المقالات السياسية لا تعبر عن رأي المركز السويدي للمعلومات SCI – وإن كانت تخضع للمراجعة والتدقيق قبل النشر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى