
مستأجرون مهاحرون في السويد يخسرون شققهم بعد سفرهم إلى بلدهم الأم
في السويد يُعتبر عقد الإيجار وثيقة قانونية مشدّدة، ويُمنع بموجب القانون تأجير الشقق من الباطن دون إذن مسبق (Olovlig andrahandsuthyrning). غير أن تطبيق هذا القانون في السنوات الأخيرة كشف عن إشكاليات حقيقية عندما يجد بعض المستأجرين أنفسهم خارج البلاد لأسباب إنسانية أو قسرية، ما يعرّضهم لخطر فقدان مسكنهم رغم أنهم لم يتربحوا من الأمر ولم ينووا أصلاً خرق القانون.
القانون الذي تم تعديله جاء بهدف محاربة السوق السوداء للإيجارات واستغلال الشقق في أنشطة غير قانونية مثل Airbnb غير المصرح به أو استيلاء العصابات على الشقق، لكن تأثيره امتد ليشمل حالات إنسانية لم يكن المشرّع يقصدها عند وضع النصوص.
حالة 1: محمد العطار – غياب لرعاية والدته
محمد العطار، مقيم في ستوكهولم منذ أكثر من ثلاثة عقود، اضطر للسفر إلى تونس لرعاية والدته المسنّة (97 عاماً). خلال فترة غيابه القصيرة التي لم تتجاوز شهرين، ظلّ ابنه البالغ يقيم في الشقة. لكن شركة السكن اعتبرت بقاء الابن “تأجيراً غير مشروع” وأرسلت إخطاراً بفسخ العقد.
بعد تدخل محاميه وتقديم تذاكر السفر وشهادات طبية، اعترفت لجنة الإيجارات (Hyresnämnden) بأن الوضع استثنائي، وتمكّن محمد من الاحتفاظ بعقده بل وحصل لاحقاً على إذن رسمي ليقيم ابنه في الشقة.
حالة 2: أحمد منصور – إقامة قسرية في غزة
أما أحمد منصور، وهو شاب من غوتنبرغ، فقد غادر إلى غزة عام 2023 بنية الزواج، لكنه وجد نفسه عالقاً هناك بسبب اندلاع الحرب، ولم يتمكّن من العودة حتى ربيع 2025. وعند عودته فوجئ بقرار إخلاء صادر بحقه استناداً إلى اتهام المالك بأنه أجّر الشقة من الباطن.
أحمد لم يؤجّر شقته فعلياً، لكن طول فترة الغياب وتسجيل أحد أقاربه في العنوان خلال الأزمة دفع الشركة إلى إنهاء العقد. ورغم أن محاميه اعتبر القرار “غير متناسب مع الظرف القهري”، إلا أن القضية ما زالت محل نظر قانوني.
حالة 3: رسمي خليل – فقدان شقة عائلية بعد 40 عاماً
رسمي خليل، رجل ستيني يعيش في أوبسالا منذ ثمانينات القرن الماضي، سافر إلى غزة لحضور جنازة شقيقته. غير أن الحرب حالت دون عودته، فبقي عالقاً عدة أشهر. ابنته البالغة كانت تدير شؤون الشقة بالنيابة عنه، إلا أن شركة السكن قررت إلغاء العقد بحجة أنه شُطب من السجل السكاني ولم يعد مقيماً في السويد، وبالتالي لم يعد بحاجة للشقة.
القضية ما زالت قيد النظر أمام لجنة الإيجارات في فيستيروس، بينما يؤكد رسمي أن الشقة تمثل استقراره الوحيد بعد أربعة عقود من الإقامة في السويد.
مثالان إضافيان لحالات مشابهة
- ليلى الحاج، سيدة خمسينية من مالمو، فقدت عقد إيجارها بعد أن اضطرت للسفر إلى لبنان لرعاية شقيقتها المصابة بالسرطان. خلال غيابها المؤقت أقام ابنها الجامعي في الشقة، لكن الشركة فسرت الأمر كـ”تأجير من الباطن”، رغم أنها لم تحصل على أي منفعة مادية.
- فؤاد الدليمي، متقاعد سبعيني من سوندسفال، سافر إلى العراق لإجراء عملية جراحية خطيرة. عاد بعد ستة أشهر ليجد أن الشركة أنهت عقده بحجة أن حفيده الذي كان يزور الشقة بانتظام اعتُبر “ساكناً غير مصرح به”.
رأي قانوني
الخبير القانوني نيكلاس تولدهال من جمعية المستأجرين يرى أن القانون بحاجة إلى مرونة أكبر في التعامل مع الحالات الإنسانية. ويشير إلى أن الهدف من القانون هو منع الاستغلال التجاري، وليس معاقبة المستأجرين الذين يسافرون لأسباب قهرية أو يتركون أبناءهم في الشقق لفترات محدودة.
ويؤكد تولدهال أن “الممارسة القضائية بدأت تأخذ في الاعتبار العلاقة الأسرية قبل الحكم على الإيجار بأنه غير مشروع. ومع ذلك، يظل الخطر قائماً طالما لم يحصل المستأجر على إذن مكتوب من المالك قبل السفر”.
ما تكشفه هذه الحالات هو الفجوة بين نص القانون والواقع الاجتماعي للمهاجرين والأسر متعددة الأجيال. فالقانون يمنح المالك الحق في فسخ العقد فوراً إذا أقام شخص آخر في الشقة دون إذن، لكن عدم التمييز بين التأجير التجاري وبين الغياب الإنساني يجعل كثيراً من المستأجرين عرضة لفقدان بيوتهم ظلماً.
الحل – بحسب الخبراء – يكمن في ضرورة تقديم طلب رسمي للتأجير من الباطن حتى للأبناء البالغين أو أفراد العائلة، ولو لفترة قصيرة، لتجنب أي تفسير قانوني متشدد قد يؤدي إلى خسارة السكن.