
محكمة سويدية تصدر حكماً بإدانة عائلة كاملة احتالت على المساعدات وحصلت على 5 ملايين كرون
في قضية هزّت الرأي العام في مدينة سودرتاليا (Södertälje) وأعادت فتح النقاش حول استغلال نظام الرعاية الاجتماعية في السويد، أصدرت محكمة الاستئناف السويدية (Hovrätten) حكمها النهائي في واحدة من أكبر قضايا الاحتيال المرتبطة بتعويضات المساعدة الشخصية، حيث شملت القضية خمسة أشقاء وُجهت لهم اتهامات بالاحتيال بملايين الكرونات من أموال الدولة، بينما قررت المحكمة تبرئة الأم بالكامل من التهم.
احتيال منظم باسم رعاية الأب المريض
تعود وقائع القضية ، عندما حصل خمسة أشقاء في سودرتاليا على رواتب وتعويضات مالية من بلدية سودرتاليا (Södertälje kommun) وهيئة التأمينات الاجتماعية السويدية (Försäkringskassan)، بزعم عملهم كمساعدين شخصيين لوالدهم المقعد على كرسي متحرك بعد إصابته بجلطة دماغية.
الأشقاء، الذين شغلوا وظائف مرموقة في المجتمع السويدي، من بينهم شرطي (Polis)، ومحامية (Advokat)، وطيار (Pilot)، وخبيرة اقتصادية في بنك (Bankekonom)، وصيدلانية (Apotekare)، قدموا تقارير رسمية تفيد بأنهم يعملون لساعات طويلة في رعاية والدهم داخل المنزل. لكن التحقيقات كشفت صورة مغايرة تمامًا.
وفقًا للأدلة التي عرضتها النيابة العامة، لم يكن الأشقاء موجودين مع والدهم خلال العديد من الساعات التي زعموا فيها أنهم يؤدون مهام المساعدة الشخصية. بل أظهرت التحقيقات أنهم كانوا في أماكن أخرى تمامًا: في رحلات تزلج إلى جبال شمال السويد، وإجازات مشمسة خارج البلاد، وزيارات ترفيهية عائلية، من بينها رحلات إلى مدينة الألعاب الشهيرة “عالم أستريد ليندغرين” (Astrid Lindgrens värld).

وجمعت الشرطة أدلة دقيقة شملت:
- تحديد مواقع الهواتف المحمولة
- عمليات شراء بالبطاقات المصرفية
- استخدام تطبيق Bank-ID
- صور ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي
إحدى الوقائع اللافتة التي وردت في ملف القضية تعود إلى عام 2018، عندما أفادت إحدى الشقيقات – وهي خبيرة اقتصادية – بأنها عملت من الساعة السابعة صباحًا حتى التاسعة مساءً لدى والدها، بينما أظهرت البيانات المصرفية قيامها بعملية شراء في مقهى وافل بمدينة بورلنغه (Borlänge) خلال نفس الفترة.
اعتقالات بعد مراقبة طويلة
بعد مراقبة استمرت نحو عامين، نفذت الشرطة السويدية عملية مداهمة فجراً في صيف عام 2021، جرى خلالها اعتقال أفراد العائلة. وأسفرت التحقيقات لاحقًا عن إثبات وجود تحويلات مالية غير مستحقة تجاوزت قيمتها 5.1 مليون كرون سويدي.
محكمة الدرجة الأولى في سودرتاليا (Södertälje tingsrätt) وصفت ما جرى بأنه احتيال “منهجي وخطير ويهدد نظام الرفاه الاجتماعي”، معتبرة أن الجريمة لم تكن عفوية، بل نُفذت بتنسيق منظم بين الأشقاء، الذين استخدموا مجموعة محادثة مشتركة لإدارة عملية التلاعب.
وأشارت المحكمة إلى أن إحدى الشقيقات لعبت دورًا قياديًا في ترتيب الاحتيال، في حين كانت الأم – بحسب حكم الدرجة الأولى – تقوم فعليًا برعاية الأب داخل المنزل.
أحكام بالسجن وتعويضات بملايين
في ديسمبر/كانون الأول 2024، أصدرت محكمة الدرجة الأولى أحكامًا بالسجن بحق الأشقاء الخمسة، إضافة إلى زوج إحدى الشقيقات (صهر العائلة)، تراوحت بين عام ونصف وحتى عامين وتسعة أشهر، مع إلزامهم جميعًا بدفع تعويضات مالية بملايين الكرونات.
كما أُدينت الأم حينها بتهمة المساعدة في الاحتيال الجسيم، وصدر بحقها حكم بالسجن المشروط وغرامات يومية، بينما بُرئ الأب لعدم ثبوت علمه بتقديم تقارير كاذبة، رغم توقيعه على مستندات المساعدة.
محكمة الاستئناف: تخفيف الأحكام وتبرئة الأم
جميع المدانين تقدموا باستئناف على الحكم، ومع صدور قرار محكمة الاستئناف، تغيرت صورة القضية جزئيًا.
المحكمة قررت:
- تخفيف أحكام السجن بحق الأشقاء الخمسة لتتراوح بين عام وتسعة أشهر وحتى عامين ونصف.
- تثبيت حكم السجن بحق الصهر دون تخفيف.
- تبرئة الأم بالكامل من جميع التهم.
وبررت المحكمة قرار تخفيف الأحكام بعدة عوامل، أبرزها:
- مرور وقت طويل بشكل غير معتاد منذ ارتكاب الجرائم.
- أن حجم الأخطاء في تقارير المساعدة أقل قليلًا مما قدرته محكمة الدرجة الأولى.
- التأثير السلبي الكبير المتوقع للأحكام على الحياة المهنية لبعض الأشقاء، خاصة أولئك العاملين في مجالات حساسة مثل الشرطة والقانون والطيران.
وقالت القاضية ورئيسة الدائرة في محكمة الاستئناف، فيفيكا لونغ (Viveca Lång)، إن “قيمة التعويضات التي صُرفت بشكل غير صحيح تتجاوز خمسة ملايين كرون، وهي جريمة خطيرة موجهة ضد نظام الرفاه الاجتماعي السويدي”.
لماذا بُرئت الأم؟
فيما يخص الأم، رأت محكمة الاستئناف أنه لا يمكن الجزم بأنها كانت على علم بأن أبناءها قدموا بيانات كاذبة في تقارير ساعات العمل. ورغم اعتراف المحكمة بأنها قامت بأعمال رعاية فعلية للأب، إلا أنها خلصت إلى أن ذلك لا يرقى إلى المشاركة المتعمدة في الاحتيال، ما أدى إلى إسقاط التهم عنها نهائيًا.
أما الأب، فقد أكدت المحكمة – كما في الحكم السابق – أنه لا توجد أدلة تثبت إدراكه لطبيعة التلاعب أو علمه بأن المستندات التي وقعها احتوت على معلومات غير صحيحة.
قضية تفتح ملفًا حساسًا
القضية أعادت تسليط الضوء على الثغرات في نظام المساعدة الشخصية في السويد، وعلى التحديات التي تواجهها الدولة في حماية أموال الرعاية الاجتماعية من الاستغلال، خصوصًا عندما يأتي الاحتيال من أشخاص ذوي تعليم عالٍ ومناصب مهنية حساسة، يُفترض أنهم يمثلون قدوة في احترام القانون.
ورغم انتهاء المسار القضائي، تبقى القضية مثالًا صارخًا على كيف يمكن أن تتحول آليات الدعم الاجتماعي من أداة حماية للفئات الضعيفة إلى وسيلة إساءة استخدام، عندما تغيب الرقابة وتُستغل الثقة.









