آخر الأخبار

كاتب سويدي: ماذا لو كان “إبستين” مسلماً!؟

في كل مرة تنفجر فيها فضيحة أخلاقية كبرى في الغرب، يعود سؤال الكيل بمكيالين إلى الواجهة، لكن نادرًا ما يُطرح بوضوح كما تفرضه قضية جيفري إبستين. هذه القضية تحديدًا تصلح لأن تكون مرآة فاضحة لطريقة عمل الإعلام العالمي، لا من زاوية الجريمة نفسها فقط، بل من زاوية من يُسمح بتجريمه رمزيًا، ومن يُمنع حتى من ربط اسمه بهويته. ماذا لو كان إبستين مسلمًا… ؟ ولكن قبل ذلك هل كنت تعلم أنه يهودي قبل قراءة المقال ؟




في السويد لا يعلم أغلب السويديين أن “إبستين يهودياَ.. ولكن لو كان مسلماً لكن الجميع يعلم ديانته أكثر من اسمه…. دعونا نطرح السؤال كما هو، بلا مواربة: ماذا لو كان جيفري إبستين مسلمًا وعربيًا في الوقت نفسه؟ وفي الحقيقة، لا حاجة لصفة “عربي” أصلًا. فكونه مسلمًا وحده كان كافيًا لإطلاق ماكينة شيطنة كاملة:

  • عناوين عن “ثقافة دينية منحرفة” هذا هو الإسلام الحقيقي” “ثقافة الاغتصاب”
    “المسلمون والجنس” “الشريعة وتشجيع الانحراف – هذا هو الشيخ المسلم إيستين!
  • مقالات عن حقيقة أن  “الإسلام  هو الجنس” – ربط مباشر بين الجريمة والنصوص الدينية القرآنية
  • استدعاء خطابات “الإصلاح الديني” و”خطر الإسلام السياسي” وتحويل الجريمة الفردية إلى اتهام جماعي لمليار ونصف إنسان





ولو أُضيفت صفة “عربي”، لاكتملت الوصفة بنسبة مئة بالمئة:
الشيخ العربي، الجزيرة الجنسية، المال المشبوه، النساء القاصرات، ثقافة الشرق، التخلف، الكبت الجنسي… كل الكليشيهات الجاهزة كانت ستُستعمل بلا تردد. هذا ليس افتراضًا خياليًا، بل نمطًا متكررًا رأيناه في عشرات القضايا الأصغر حجمًا، حيث يُختزل الفرد في دينه وهويته، ويُدان المجتمع بأكمله بجريرة شخص واحد… لكن  بالمقابل إبستين يهودي… وهنا يبدأ المكيال الثاني

جيفري إبستين .يهودي الديانة أمريكي الجنسية





عندما ننتقل إلى حقيقة أن إبستين يهودي الأصل، نلاحظ أمرًا لافتًا: ديانته تكاد تكون غائبة تمامًا عن التغطية الإعلامية السائدة. لا أحد يربط، لا أحد يعمّم، لا أحد يلمّح. لماذا؟

السبب ليس بريئًا بالكامل، ولا شيطانيًا بالكامل أيضًا. هناك تعاطف عالمي تاريخي مع اليهود، تشكّل خصوصًا بعد الهولوكوست في ألمانيا وأوروبا، وهذا التعاطف جعل الإعلام الغربي:

  • يخشى الوقوع في فخ “معاداة السامية”
  • أو يخشى الصدام مع الصهيونية السياسية
  • أو يتصرف بحذر أخلاقي مفرط عند ذكر أي إساءة مرتبطة بيهودي

وهذا الحذر مفهوم أخلاقيًا من حيث المبدأ: وهو عدم تحميل جماعة دينية أو عرقية مسؤولية أفعال فرد. لكن المشكلة ليست هنا… المشكلة أن هذا المبدأ لا يُطبّق على الإسلام والمسلمين حصراً فهم مادة أساسية للمهاجمة .




في الولايات المتحدة، لا نحتاج إلى افتراضات خيالية لرؤية الكيل بمكيالين، بل إلى العودة لوقائع قريبة. جيفري إبستين  ثري يهودي فاسد…و  زهران ممداني (Zohran Mamdani)،  سياسي أميركي مسلم من أصول مهاجرة، واجه حملة شرسة من السخرية والتشويه الإعلامي والسياسي لمجرد دخوله الحياة السياسية في نيويورك وترشحه لمنصب محلي منتخب. لم تُوجَّه إليه اتهامات فساد. لم تُسجَّل عليه مخالفات قانونية. لم تصدر عنه تصريحات تحريضية. ورغم ذلك، كان السؤال الذي طُرح ضده علنًا وبوقاحة:

كيف يتجرأ مسلم على الترشح لمدينة مثل نيويورك؟

الهجوم لم يكن على برنامجه، بل على هويته:

  • “هذا يحمل الإسلام”
  • “دين يدعو للعنف”
  • “ثقافة تقمع المرأة”
  • “أفكار لا تنتمي لمدينة النور والتقدم والعلم والمال”





كأن نيويورك، التي تُقدَّم بوصفها عاصمة التنوع والحرية، مغلقة فجأة أمام مسلم، فقط لأنه مسلم. لم يُناقشوه كسياسي،
بل كـ “مشكلة حضارية”.

كيف يسمح هذا الدين الإسلامي لنفسه بالاقتراب من السلطة في بلد الديمقراطية الغربي أمريكا؟

وهنا يظهر جوهر الازدواجية:
المسلم لا يُعامل كفرد، بل كرمز يُحاكم عليه دينه بالكامل. حتى لو لم يفعل شيئ مسئ  ولكن في حالة إبستين: لديه جريمة موثقة غير اخلاقية ، وضحايا ، وشبكة نفوذ ، وتاريخ طويل من الانتهاكات ، ومع ذلك: لا حديث عن ديانته ، لا ربط بين الجريمة واليهودية ، لا مقالات عن “الثقافة اليهودية والجنس” ، لا تساؤلات عن “قيم الدين” ، بينما مسلم لم يرتكب أي خطأ، يُستهدف لأنه تجرأ على خوض السياسة. ..ولذلك لدينا معادلة في الغرب: المسلم يُدان قبل الفعل والآخر يُفصل عنه الفعل بعد الجريم .. وهذا ليس دفاعًا عن مسلم، ولا هجومًا على يهودي، بل فضح لمعيار مختلّ.



 غزة تكشف التناقض الصارخ

حين قُتل وأُصيب أكثر من مئة ألف فلسطيني في غزة، معظمهم من الأطفال والنساء، ظلّ جزء كبير من الإعلام العالمي يرفض توصيف ما حدث كـ جريمة ضد الإنسانية ارتكبتها دولة يقودها سياسيون يعرّفون أنفسهم كيهود. لا أحد يقول: “اليهود فعلوا”، وهذا صحيح أخلاقيًا. لكن في المقابل، لا يُمانع الإعلام نفسه من القول:
“المسلمون فعلوا” في 7 أكتوبر فظائع في إسرائليين
“الإسلام ينتج العنف” كما حدث في 7 أكتوبر
“الثقافة الإسلامية مشكلة تولد الإرهاب”  كما حدث في 7 أكتوبر




وفي حالة إبستين، وصل الأمر إلى حد أن:

كثيرين لا يعرفون أصلًا ما هي ديانته، 
لأن ذكرها يُعد خطًا أحمر. بينما لو كان مسلمًا، لكانت ديانته هي العنوان الرئيسي.

الخلاصة الأخلاقية التي يتم تجاهلها

الحقيقة التي يجب أن تكون بديهية، لكنها تُنتهك يوميًا، هي التالية: لا الشيخ المسلم الذي يخطئ يمثل الإسلام ، ولا اليهودي المجرم يمثل اليهودية ولا المسيحي المنحرف يمثل المسيحية ،حتى الجماعات المتطرفة لا تمثل الأديان. هتلر، وهو نازي يرفع الصليب المعقوف، لا يمثل الصليب ولا المسيحية. ، نتنياهو المطلوب للمحكة الجنائية وحكومته وما فعلوه في غزة لا يمثلون اليهود . داعش ومن على شاكلتهم لا يمثلون الإسلام. كل هؤلاء يمثلون أنفسهم، وأيديولوجياتهم، وجرائمهم الفردية أو السياسية.




الأديان، مهما اختلفنا حولها، بريئة من أفعال المجرمين، حتى إن وُجد في بعض نصوصها سياق عنف:

  • فهو إما دفاع عن النفس
  • أو سياق تاريخي مشروط
  • أو تأويل سياسي منحرف

المطلوب ليس تبرئة أحد، ولا اتهام جماعي لأحد. المطلوب معيار واحد: إما أن نفصل الجريمة عن الدين للجميع،
أو نعترف صراحة بأننا نمارس كيلًا بمكيالين. أما الاستمرار في هذا النفاق الأخلاقي، فلن يخدم العدالة، بل سيعمّق الكراهية، ويزيد انعدام الثقة، ويحوّل الإعلام من سلطة رقابة… إلى أداة تحيّز.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى