قصص المهاجرين واللاجئين

بانتظار الترحيل من السويد… قصة مهاجر فقد إقامته وهو في المستشفى فتم وضعه بالحجز!

 بشير حسين مهاجر يقيم في السويد، لكنه يقبع حاليًا منذ ثلاثة أشهر داخل مركز الاحتجاز المخصّص للمهاجرين في ميرشتا (Märsta)، بانتظار تنفيذ قرار ترحيله. وتعود بداية أزمته إلى فترة مرضية حادّة أُدخل خلالها المستشفى، حيث فاته آنذاك تجديد إقامته، ما أدى لاحقًا إلى فقدانه وضعه القانوني. واليوم يجد نفسه مهددًا بالترحيل، رغم سنوات طويلة من العمل والاستقرار الأسري داخل السويد.

عند الساعة الثالثة إلا ربعًا، يصل حسين فرح، إمام المسجد في رينكبي (Rinkeby)، لاصطحابنا في زيارة إلى بشير داخل مركز الاحتجاز. ويؤكد فرح، وهو إمام في المركز الثقافي الإسلامي برينكبي، منذ اللحظة الأولى:
«بشير رجل صالح وليس مجرمًا، أعرفه جيدًا وأعرف عائلته».





داخل مركز الاحتجاز، وهو مبنى منخفض من الطوب في منطقة صناعية، تمر إجراءات الدخول بهدوء صارم. نترك معاطفنا في خزائن مخصصة، ثم يُسمح لنا بالدخول إلى غرفة الزيارة رقم 6: غرفة بيضاء ضيقة، تحتوي على أريكة صغيرة وكرسي وطاولة منخفضة، بلا أي ملامح إنسانية تُذكر.

«نحن في سجن»

يروي “بشير حسين” أن ما بين خمسة إلى ستة أشخاص يعيشون في كل غرفة، وأن عدد المحتجزين في القسم الواحد يصل إلى خمسين شخصًا تقريبًا، معظمهم آباء عائلات عاشوا سنوات طويلة في السويد وعملوا ودفعوا الضرائب.
يقول بصوت متعب:
«لا يوجد ما نفعله هنا. ننتظر دورنا على الحاسوب. لا رغبة لي في شيء. هناك صالة رياضية، لكنني لا أملك طاقة. أنام بصعوبة… نحن في سجن».




الإمام حسين فرح يؤكد أن الصورة النمطية التي تُقدَّم للرأي العام السويدي حول المهاجرين المرحلين مضللة:
«يُقال إن من يُرحّلون هم مجرمون!!!، لكن هذا غير صحيح. من قابلتهم هنا ليسوا مجرمين. أنا أعرف الفرق، وقد تعاملت مع شباب متورطين في عصابات ودفنت كثيرين منهم» يوجد في مراكز الاحتجاز السويدية الكثير والكثير من المهاجرين الذين لديهم زوجات وأبناء مهاجرين وتصّر الحكومة السويدية على حجزهم وترحيلهم رغم وجود عائلات سويدية لهم!!.

بشير حسين مهاجر في السويد

زيارات مؤلمة

بشير حسين تزوره زوجته وأطفاله كل عطلة أسبوعية. أربعة من أطفاله وُلدوا في السويد. «وفي عطلة نهاية الأسبوع نحصل على غرفة زيارة أكبر قليلًا»، يقول. لكن هذه الزيارات، رغم أهميتها، مؤلمة: «أطفالي  يروني في وضع المسجون ولا يفهمون لماذا لا أعود إلى المنزل».



من إقامة قانونية إلى قرار ترحيل!

وصل  بشير حسين إلى السويد عام 2014 عن طريق لمّ الشمل ، حيث كانت زوجته تقيم هناك. وبسبب الحرب الأهلية في الصومال، كان يحمل وثيقة سفر للأجانب.
في عام 2022، وبعد حصوله على عمل ثابت وإقامة دائمة، تقدّم بطلب الحصول على الجنسية السويدية. في يوليو/تموز 2022 سجّل طلبه لدى مصلحة الهجرة، وفي يونيو/حزيران 2023 طُلب منه إرسال جواز سفره، وهو ما فعله. خلال تلك الفترة، كان يعمل في مطار برومّا (Bromma) لدى شركة Samhall، إضافة إلى عمله كسائق تاكسي.
مديره السابق، سوران موكرياني، يشهد له: «كان موظفًا موثوقًا ومنضبطًا، عمل معنا لفترة طويلة وكان مثالًا للالتزام».



المرض قلب كل شيء

في صيف 2023، تدهورت حالته الصحية بسبب إصابته باضطراب ثنائي القطب، دون تشخيص سابق. دخل في نوبة هوس حادة، ونُقل إلى مستشفى سانت غوران (St Görans sjukhus) حيث مكث فترة طويلة، وتلقى علاجًا مكثفًا شمل جلسات كهربائية. خلال تلك الفترة، وصلته رسالة من مصلحة الضرائب السويدية (Skatteverket) إلى بريده الرقمي، لم يكن في وضع يسمح له  بالقيام بمعاملات ومراجعات.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، قررت المصلحة شطبه من السجل السكاني في السويد، معتبرة أنه لم يعد مقيمًا في السويد. ويقول حسين بشير بدهشة:
«كنت هنا طوال الوقت. كيف يمكنني السفر؟ جواز سفري كان لدى مصلحة الهجرة».



«وصل الاعتراض متأخرًا»

عندما حاول الطعن في القرار، جاءه الرد: «تم رفض اعتراضك لأنه قُدّم بعد انتهاء المهلة القانونية». ورغم تقديم تقارير طبية وشهادات تثبت حالته الصحية، قررت مصلحة الهجرة عام 2024 سحب إقامته الدائمة وترحيله. جميع الطعون رُفضت، كما رفضت محكمة الهجرة العليا النظر في القضية.

موقف المحامي

المحامي ستيغ سالستروم، المكلّف بالدفاع عنه، قال بوضوح: «لقد فاته تجديد الإقامة الدائمة، وبناءً على ذلك سيتم ترحيله إلى الصومال». وأضاف أن موكله لا يحتاج إلى الاحتجاز، وكان يمكن إخضاعه للرقابة والإبلاغ الدوري بدل السجن، لكن الشرطة رفضت ذلك، والملف بات بيدها.



لحظة الاعتقال!! كانت الشرطة تنتظره بمصلحة الهجرة السويدية!

آخر مرة توجه فيها  بشير حسين إلى مصلحة الهجرة في سوندبيبيرغ (Sundbyberg)، كان برفقة زوجته لحضور موعد اعتيادي حول وضعه مع محقق الهجرة السويدية ولكن كانت تنتظره مفاجأة في هذا الاجتماع الذي كان من المفترض اجتماع إداري روتيني .
« فور دخولي لغرفة الاجتماع أخذوها إلى غرفة، .. ويقول حسين :- أدخلوني غرفة أخرى. كانت الشرطة بانتظاري. نقلوني مباشرة إلى الاحتجاز. قالوا لزوجتي أن تعود إلى المنزل وأنني سأتصل بها لاحقًا». منذ ذلك اليوم، مرّت أكثر من ثلاثة أشهر. انتظار بلا نهاية لا مواعيد جديدة، لا أمل واضح. فقط انتظار.
«زارني ممثلون عن السفارة الصومالية وطلبوا مني التوقيع على أوراق، لكنني رفضت. جئت إلى السويد بشكل قانوني، عملت ثماني سنوات، دفعت الضرائب… لا بد أن تكون هناك عدالة». في طريق العودة، يسود الصمت داخل السيارة – يقول الإمام حسين فرح بصوت منخفض: «الشعور بالعجز هو الأسوأ… هذا ما يؤلم حقًا».




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى