المركز السويدي للمعلومات
لدعم الهجرة واللجوء في اوروبا والسويد

نسرين فلسطينية ـ سورية بعد رحلة لجوء خطيرة… تفشل في لم شمل أهلها

نسرين، صحافية فلسطينية. ولدت ونشأت في سوريا. نشاطها المعارض للنظام في دمشق دفع بها للفرار إلى مصر في الشهر الخامس من العام ٢٠١٣. في ذلك البلد العربي، حيث عاشت وعملت قرابة العام في مصر ، حيث كانت مصر في فوضى سياسية وشعبية ، لم تجد الأمان أيضاً في مصر . فاضطرت للمغامرة بحياتها للوصول إلى أوروبا على متن مركب خشبي قديم تنشد الوصول للسويد أو ألمانيا مثل الآلاف من السوريين وفلسطيني سوريا.




 بعد وصولها لأوروبا ووجدت الجميع يتدفق إلى ألمانيا والسويد ، قررت الذهاب لدولة لا تشهد تدفق للاجئين ، فوصلت لهولندا ، وها هي تخبرنا في أكتوبر 2019  عن “رحلة الموت” التي قامت بها قبل ست سنوات في 2013  في البحر الأبيض المتوسط.

خطة اللجوء بدأت مع ذلك الغريب سمسار التهريب في أحد مقاهي القاهرة…وتقول :-  كنت مع أصدقاء لي من سوريا حين سمع حوارنا عن فكرة السفر إلى أوروبا. اقترب منا لتقديم خدماته مقابل 2500 دولار للشخص. اتفقت و أصدقائي الثلاثة على تسليمه نصف المبلغ وأن نضع النصف الثاني أمانة عند وسيط موثوق به. ولا يستلم المهرب المبلغ المتبقي من الوسيط إلّا إذا وصلنا إلى البر الأوروبي.




وصلنا إلى نقطة الانطلاق، مدينة الاسكندرية، قبل ليلة من الرحلة، والتقينا هناك عائلات سورية تنتظر الفرار إلى أوروبا. وقد وضع المهرب النساء والأطفال في شقة والرجال في شقة أخرى.

وبعد ساعات من الوصول  إلى الشقة  اكتشفت أن رحلتنا ستنطلق فوراً، قبل موعدها المحدد، فنقلنا المهرب إلى « عشة » أي كوخ صغير من القصب. وطلب منا الصمت.

وفجأة صرخ بنا “هيا اركضوا”. فركضنا إلى قوارب صغيرة نقلتنا إلى المركب المتوقف بعيداً.




كان ذلك في ٢٥ حزيران\يونيو من العام 2014.

الليلة الأولى: ضحك هستيري وخوف

انطلق مركبنا، فاجتاحتني نوبة ضحك هستيرية، وسرعان ما تحولت هذه النوبة إلى حالة ارتجاف جنوني، فسمح لي المهرب ورفاقُه بتبديل ثيابي المبللة. ودخلت بعدها كيس النوم الذي جلبته معي، وغفوت.

صباحاً، فتحت عيناي على لون أزرق صاعق وكأننا في عالم لا حياة فيه، انتابني هلع شديد.






كنت أراقب حالة المركب مع أولئك المهاجرين، إنه مركب خشبي قديم كأنه بُنِيَ قبل قرون، وحالته سيئة وغير مجهز بمعدات إنقاذ، فكيف سيصمد في البحر مع ٢٥٠ شخصاً؟ معظمهم عائلات سورية.

وبطبيعة الحال، لا مكان للنوم أو لإراحة ساقينا على هذا المركب. فيه حمام ضيق، سمح المهربون لكل منا بقضاء حاجته مرة واحدة في اليوم. والمياه المتوفرة جلبناها معنا، وهي مخصصة للشرب. ولكي لا أضطر لاستخدام الحمام، لم أشرب كثيراً واكتفيت ببضعة حبات تمر أو القليل من الشوكولاتة. أما لاتقاء أشعة الشمس، ربطنا ما لدينا من مناشف في بعضها لتشكل خيمة نتفيأ تحتها. وهكذا، أمضينا ثلاثة أيام.




في اليوم الرابع، استيقظت على مياه تغمرني. كان المركب يترنح بقوة تحت ضربات الأمواج العاتية، ثم تحمله تلك الأمواج عالياً جداً لتسقطه بقوة، فتدخله المياه مجدداً إليه. كانت الرياح شديدة القوة والسماء قاتمة اللون والمطر غزيراً، كنا داخل عاصفة مجنونة. رأيت الرجال والنساء والأطفال يبكون ويصرخون، فتجمع أفراد كل عائلة مع بعضهم كأنهم يتهيأون للموت معاً. أما أنا فظللت وحيدة، مع إرادة قوية للبقاء وتحقيق هدفي الوحيد.. لم أكن أرى سوى أهلي.




أما داخل ما تُسمى بقمرة القيادة، فجلس مهربنا ورفاقه وجميعهم مصريون، يراقبوننا كما في الأيام الماضية.

ارتأى الرجال أن تنزل النساء مع الأطفال إلى الغرفة الموجودة في أسفل المركب، كنا محشورين في غرفة جهنمية، لا إضاءة فيها، وكادت تخنقنا لشدة حرارة المحرك التي تدخل إلينا. كما تجمعت فيها مياه الحمام، إذ كانت تتسرب مياه الحمام قطرة قطرة من ماسورة في السقف، وكان تفاديها أمر مستحيل، فتملكني الغثيان والدوخة كما الأخريات.




وقد نفد منا دواء دوار البحر، فاجتاحتنا حالات التقيء، واستهلكنا كل ما لدينا من أكياس فما عدنا نولي أهتماماً لما تخرجه أحشاؤنا. لحظات كريهة أحسست معها بالذل.

بقينا يومين، تصدى خلالهما الرجال للعاصفة الهوجاء محاولين إفراغ المركب من المياه. وعلمنا لاحقاً إننا كنا قبالة السواحل الليبية.

بعد أن هدأت العاصفة، أعادنا المهربون إلى السطح، وأعطونا جهازاً لطلب النجدة بخفر السواحل الإيطالية، ويمكن لهذا الجهاز إرسال مكان تواجدنا، لكن محاولاتنا باءت بالفشل.




وفجأة رأينا طوافة فوق رؤوسنا، ثم اثنتين، فرفع الرجال الأطفال عالياً كي يراهم من فيها، ليرأفوا بحالنا.

لم نعرف كيف علِمَ خفر السواحل الإيطالية بوجودنا، لكنني أذكر أننا، وخلال مقاومتنا للعاصفة، شاهدنا من بعيد سفينة كبيرة وكأنها للشحن، ربما قد أعلمت السلطات الإيطالية بوجودنا.

كنا داخل عاصفة مجنونة… تجمع أفراد كل عائلة مع بعضهم كأنهم يتهيأون للموت معاً. أما أنا فظللت وحيدة، مع إرادة قوية للبقاء ‏وتحقيق هدفي الوحيد… لم أكن أرى سوى أهلي




حين وصلت زوارق الإنقاذ، كان رجالها يرتدون ثياباً بيضاء، فبدو لي كملائكة جاؤوا لإنقاذنا، بينما لم يكن زيهم الأبيض إلا لحماية أنفسهم من البكتيريا من اللاجئين !.

أوصلنا “الرجال البيض” إلى سفينة كبيرة، بقينا هناك يوماً ونصف اليوم، فترة لم أستطع خلالها التوازن في سيري بسبب مشقة الرحلة، وأنزلونا إلى مرفأ ريجيو دي كالابريا، ثم نقلونا إلى ملعب لكرة السلة.

هل يتحول الحلم إلى حقيقة

ولأن وجهتنا ليست إيطاليا ، وأنما ألمانيا أو السويد ا، قررت ورفاقي الفرار قبل وضع بصماتنا.ا

عند ساعات الصباح الأولى، تهيأنا لحظة غياب الحرس، وقفزنا فوق السور، وكنا قد تمكنا من الحصول على ثياب من المستودع لارتدائها بدلاً من ثيابنا المتسخة، ولم أُعِر اهتماماً للثياب الرجالية التي طالتها يداي، كنت أريد الإسراع إلى محطة القطارات وحجز بطاقة إلى ميلانو، فقد قيل لنا أنه يوجد مركز لإيواء المهاجرين السوريين هناك.




لم يمض أكثر من يومين على إقامتنا في ذلك المركز، حتى جاءنا مهربون، لم ندر كيف علموا بحاجتنا للفرار إلى بلد آخر.

نصحني البعض  إلى هولندا،لأن السويد وألمانيا تعاني من تدفق اللاجئين وتتأخر قرارات الإقامة ولم الشمل ، اتفقنا مع رجل  ألماني من أصول شرقية  يملك سيارة تتسع لسبعة أشخاص على أن يدفع كل منا مبلغ ٤٥٠ يورو. كان حذراً جداً، ولم يفصح لنا عن أسماء المناطق التي نمر بها. بعد ١٢ ساعة من القيادة شبه المتواصلة، توقف معلناً «أنتم في رورموند» جنوب هولندا. وكان ذلك عند الواحدة بعد منتصف ليل ٧ تموز\يوليو من العام ٢٠١٤.



نمنا في محطة القطارات، وفي الصباح سلّمنا أنفسنا للشرطة، فحولتنا بدورها إلى مركز للمهاجرين. بعد الإجراءات والتحقيقات، أُصِبت بخيبة أمل عظيمة، فاللجوء الإنساني الذي حصلت عليه لا يمنحني حق لم شمل أهلي. لقد تم خداعي ووصلت هولندا لأعيش بمفردي ولا استطيع لم شمل عائلتي، وانتظر من 2015 إلي الآن لكي استطيع الحصول على جنسية هولندية ومحاولة لم شمل عائلتي .






قد يعجبك ايضا